13 يناير 2010

بشائر الهجرة

بشائر الهجرة

بقلم الدكتور محمود الزين

تطل ذكريات الهجرة على أمتنا كل عام كالغمامات البيضاء تنشر الندى وتلين معها الرياح مبشرة بالري والخضرة والنماء بعد رحيل القيظ وحره وجفافه وسمائمه ،

والسنوات الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة كانت مليئة بالشدائد والمحن وتواتر الأذى ، ولكنها كانت مع ذلك مليئة بالصبر والثبات والتمسك بالله ورضوانه والأمل بعونه القوي ونصره الأكيد ، ولذلك أثمرت هذه السنوات الأخيرة أيما إثمار لفتت أنظار العرب خارج مكة وفتحت لدين الله صراطاً متراحباً عبر الهجرة إلى طيبة الطيب لتكون قاعدة انطلاق إلى كل أرجاء الدنيا فالمحن تصنع الرجال ، والإقدام والصبر يلدان النصر ويرفعان صوت الحق فوق منارات الهدى

وهكذا انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من مكة متلففاً بدجى الليل متستراً بأكناف الغار متحرفاً عن المسالك متخفياً في غياهب الصحراء عن عيون الرقباء والمطاردين ، ثم عاد إليها مرفوع الرايات فوق هضابها تسيل بجنده الأشاوس  بقاعها مرددة شعاره أرجاؤها حتى يقف عند الكعبة معلياً بالأذان دينه معلناً بخطابه مبادئه ، كاسراً كل مظاهر الشرك والوثنية ، مذلاً كل مستمسك بالباطل منقذاً كل مظلوم من براثن وحوش الجاهلية الجهلاء حتى أعاد للبلد الحرام عظمته وسموه ومركزه الديني المقدس.

لقد كانت أيام الهجرة أيام شدائد وأخطار على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى مبادئه ودعوته ، وكانت كذلك أيام بشائر في قلب الشدائد والأخطار ، فعلى باب النبي صلى الله عليه وسلم وقف الرصد المسلح المحيط بالبيت يريد إزهاق روح الحق والهدى فخرج صلى الله عليه وسلم وترك ابن عمه يؤدي الأمانات إلى أهالي الرصد وبشره بقوله : لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ، يخبره بذلك كالقراءة في لوح القدر المحتوم ، ودخل صلى الله عليه وسلم الغار وجاء المطاردون مسعورين وأحاطوا به ثانية عند باب الغار بعيون متجولة وسيوف متلمظة ورماح ظامئة فيضطرب قلب أبي بكر ذي اليقين الراسخ خوفاً على حبيبه فيسكنه النبي صلى الله عليه وسلم ببشارة طيبة تردد كلمات من لوح القدر المحتوم : يا أبا بكر ماظنك باثنين الله ثالثهما ، وحقق الله البشرى وارتد المطاردون على أعقابهم ردتهم خيوط من نسج أوهن البيوت بيت العنكبوت.

ثم تتعاظم البشائر مع تعاظم الأخطار فهذا فارس متقحم يريد كسب المال الوفير بإراقة الدم الزكي بل أزكى الدماء دم المصطفى هادي البشرية المضطلع ببناء أعظم حضارة إنسانية فيطرحه القدر الحارس للنبوة أرضاً فتسيخ قوائم فرسه أولاً وثانياً حتى يضطر إلى الإحجام والنداء بالمسالمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى عرض المعونة وإلى الوعد بكف كل مطارد ثم إلى طلب الأمان في المستقبل ، وإذا هو ينال مع الأمان البشارة التي لايتوقعها من البشر أذكى الأذكياء ولايجرؤ عليها توهم أجرأ الحالمين : كيف بك ياسراقة إذا لبست تاج كسرى وسواريه ، ولو كان سراقة في غير هذا الموقف لكذب وتعجب وسخر ولكن كيف ؟ كيف يجرؤ على ذلك الآن وقد كان قبل برهة أسير القدر الذي يترجم عنه هذا الصادق الأمين وهو يقرأ ماخطته أقلام العلم الإلهي في كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون

ودخل صلى الله عليه وسلم المدينة دخلها حين يئس أهلها من قدومه ذلك اليوم عند اشتداد الحر في الظهيرة فكان قومه هو البشارة بل أعظم البشائر لها ولأهلها فأصبحت به منورة – وهو السراج المنير – أضاء منها كل شيء بهجرته إليها ، وكأنما أصبح ظهور البشائر بعد الشدائد أومن قلب الشدائد سنة إلهية  في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم  على امتداد الأعوام بعد الهجرة وفتح مكة إلى آخر حياته صلى الله عليه وسلم وعلى امتداد تاريخ أمته مع القرون .

ففي يوم بدر – أول معركة كبرى بين الكفر والإيمان – حين قل العدد والعدة وتكاثر جنود الكفر جاءت الملائكة ببشائر النصر ومدت سيوفها تضرب فوق الأعناق وتضرب منهم كل بنان فيولون مدبرين ، واهتزت أرجاء الجزيرة العربية بأخبار هذا النصر العظيم لدين الله ولجند الله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هم يسترضونه ويخطبون وده .

وفي يوم أحد مع شدة المصيبة وسيل الدماء وموت الأحبة واستشهاد الأخيار وتجرئ الأعداء تأتي البشرى وحياً سماوياً وكلاماً إلهياً يردده القارئون عبر الأجيال "   وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " بشرى تمسح جراح المجاهدين في أحد وفي كل معارك التاريخ عبر القرون إلى يوم القيامة حين يلقون الله .

وفي يوم الخندق حين اجتمعت الأحزاب من كل جانب وظنوا أنهم سوف يستأصلون شأفة المسلمين ونبيهم ودينهم وظهر النفاق في المدينة وكاد يستعلن ، وغدر الغادرون من اليهود ، وابتلي المؤمنون ، وزلزلوا زلزالاً شديداً لما أحاط بهم من البلاء ، فزاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر في يوم الأحزاب هنا جاءت بشائر النصر الإلهي مع الرياح العاصفة التي عصفت بالعدو "  وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ( الأحزاب25)

 وتوالت المعارك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوالت البشائر والانتصارات حتى جاء يوم الفتح المبين إلى البلدة التي هاجر منها متخفياً تلاحقه سيوف الحانقين جاء إليها بعد بشارة إلهية نزلت عليه قبل عامين من عند الله في يوم الحديبية حين ضاقت قلوب المسلمين بشروط الصلح نزلت بشارة بفتح مكة وما يأتي بعده من الفتوح إلى يوم القيامة "  هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33 التوبة)

وجاء صلى الله عليه وسلم ليبشر أهل مكة بعفوه : (( اذهبوا فأنتم الطلقاء )) وليعلن للدنيا كلها ما أنزل الله عليه يومئذ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ..... ( النساء58)

وبشائر  الهجرة التي جعلها الله سنة للأمة دائمة تأتي بعد كل شدة تمسح الجراح وتطمئن النفوس وتريح القلوب بعلو الحق والهدى والإيمان فوق منارات المسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها       

مختارات من القسم

  1. من ملامح السلوك إلى الله(سؤال وجواب)
  2. انطلاقة النور
  3. حلم النبي صلى الله عليه وسلم
  4. الـــرحمـــة الهــــــاديـــــة
  5. السعــــادة والــــزواج