19
يوليو 2010
التدخين كشف الحقيقة بوضوح
التدخين
كشف الحقيقة بوضوح
بقلم الدكتور محمود الزين
أهم جانب في التدخين ما يزال - رغم الكتابة الكثيرة - بحاجة إلى مزيد البيان كي يأخذ أثره في الحكم الشرعي على التدخين ، وهو جانب نحتاج إليه في كل مسالة يتناولها البحث بالدراسة لمعرفة الحكم الشرعي .
وكنت أريد أن أسمي هذا الجانب باسم الإخلاص لكني عدلت عن ذلك لأن هذه الكلمة كاد يضيع أثرها لكثرة استعمالها في موضعها وغير موضعها ، وربما يجدها الإنسان في سياق كله التفاف ومداورة لإضاعة الحقيقة .
وأحب في هذه الكلمة أن أسمي هذا الجانب " كشف الحقيقة بوضوح " فأتساءل هل نحن اليوم نبحث في قضايانا عن الحكم الشرعي الحقيقي لنستفيد منه " جلب المصالح ودفع المفاسد " كما أراد الله تعالى ومن جملة ذلك حكم الله في التدخين ؟؟ ، وهل خلافاتنا الفقهية في هذه القضايا او هي خلافات يدفعنا إليها أحياناً إرضاء الرغبات النفسية ، وبسبب ذلك نعمد إلى ما هو واضح فنلقي عليه أغشية تجعله غامضاً ليتسنى لنا الوصول إلى رغائبنا النفسية ؟
ومسألة التدخين مسألة حادثة بعد عصر النبوة فلا بد ما كتب عن التدخين بحوث من أن يكون أخذ حكمها عن طريق عرضها على قواعد الشريعة كما هو شأن أمثالها ، وأقرب قاعدة تتعلق بها هي قاعدة " كل مضر حرام" فأضرار التدخين – كما يقرر كل باحث طبي – كثيرة جداً وشديدة جداً ، ولا يستطيع أحد أن يجادل فيها ، فكان حق هذه المسألة أن تكون من الحرام البين وأن يتجنب التدخين كل مؤمن لا سيما أن الآيات والأحاديث التي تشهد لهذه القاعدة متعددة غير قليلة بل هي قاعدة يقر بها كل عقل سليم .
ولكننا نلقي عليها ظلالاً من الدخان تضيع معه الرؤية وتصعب معه رؤية الحكم الشرعي كما كما ينبغي أن يكون .
وحتى القواعد التي تؤيد هذه القاعدة تتخذ أحياناً ذريعة للتهرب من الحكم الشرعي الذي تقضي به هذه ، كآية (وما جعل عليكم في الدين من حرج ) فنجد بعضهم إذا سمع من يقول التدخين حرام يقول على الفور : لا تضيق علينا فإن الله تعالى يقول ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) بل قد قابلني بهذه الآية بعض الناس بعد ما أقر بأن التدخين يستحق التحريم : قلت له ما رأيك فيمن يحرق قطعة ورق نقدية ؟ قال هذا حرام لأن إتلاف المال حرام في ديننا ، قلت : فما تقول إذا أحرقها وتركها في كفه حتى أحرق جلده ؟ قال هذا أشد تحريماً لأنه أتلف ماله وآذى نفسه وإيذاء النفس حرام فكيف إذا جمع الحرامين .
قلت ألا ترى أن المدخن يبذل ماله فيما يضر به نفسه ؟ فلم يجب ولكنه قال : هذه فتوى محرجة والله تعالى يقول : ( وما جعل الله عليكم في الدين من حرج ) فقلت له : الحرج الحقيقي ليس في منع نفسك من شهوة مضرة ولكن الحرج الحقيقي هو أن تبذل مالك فيما يضرك وإن كنت تشتهيه ، الحرج في إصابتك بضيق الصدر بسبب التدخين وبأمراض أخرى كثيرة منها السرطان .
وفي أحياناً أخرى نجد من يقول : إن العلماء يقولون إذا تعود الإنسان على التدخين حتى صار تركه بفقده الوعي أو بدفعه إلى ضرب الآخرين أو تكسير الأشياء من حوله فكيف يصح أن يقال إنه حرام ؟ أليس هذا ضرر أيجب أن يزال ؟ .
ورغم أن هذا القائل جاء بكلام مبتور لم يكمله ، فإنه إذا أكمله ما كان له في حجة ولو ظل على إطلاقه فهو حالة استثنائية كما هو واضح والاستثنائيات لا يصح أن يأخذها كل الناس ولا أن يأخذها بعضهم في كل الأحوال .
أما حقيقة هذا الاستثناء فهي أن من بلغت حالته هذا الحد جاز له أن يتناول من التدخين مقدار ما يرفع الضرر بلا زيادة ، ثم يخففه قليلاً قليلاً حتى يقلع عنه تماماً أما أن يأخذه دائماً وبلا حدود فذلك ليس بصحيح .
وربما يقول هؤلاء أحياناً إن الإضرار بالنفس حرام حقاً ولكن المقادير القليلة جداً لا تضر فنحن نكتفي بهذا المقدار فلا يكون حرام ، وجوابهم أنا نتمنى أن يكون الواقع كما يقولون ولكن الواقع ليس كذلك فالدخان - كما هو معروف عند كل طبيب وكما هو مشهور عند كثير من الناس - مادة تؤدي إلى الإدمان تسيطر على صاحبها ولا يستطيع أن يسيطر عليها ولا يزال يستزيد منها حتى يكون من زعماء التدخين .
وحين يعجز المتهربين من حكم الدخان الذي دلت عليه قاعدة " كل مضر حرام " يقولون لك هذا رأيك الشخصي ، ومن حقنا أن نأخذ بآراء الآخرين الذين لا يحرمونه بل منهم من يتناولونه ترى ما هو هذا الرأي الشخصي ؟ هل هو القاعدة التي شهدت لها الآيات والأحاديث المتعددة ؟ أوهي أضرار التدخين التي يشهد بها كل طبيب أهكذا يقال أم يقال إذا صحت القاعدة وثبتت الأضرار فالتحريم يتبعها ولا فرار ؟ حتى لو تناولها العلماء الكبار ؟ فإنما العصمة للأنبياء ، وهل الذي يفتي بتحليل الدخان يتحمل أضرار الدخان عمن يفتيهم أو يتحمل عنهم الحساب يوم القيامة .
ولا بد أن نضع بين أعيننا دائماً أن أحكام الله من حلال وحرام ما أنزلت لنكبل أيدينا عن ملذات الدنيا وإنما أنزلت لتحصيل المنافع ودفع المفاسد ، وحامل هذه الأحكام إلينا حين أرسله ربه قال له : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )