19 يوليو 2010

يوم التكريم الأعظم

يوم التكريم الأعظم

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 

 

 

يوم الإسراء والمعراج هو يوم التكريم الإلهي الأعظم . حيث احتفت الأرض والسماء ومن فيهن بالرسول الأعظم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .

ففي الأرض يجتمع الأنبياء كلهم في بيت المقدس ليروا إمامهم وخطيبهم وأكثرهم  فضائل و كمالات وهو يحدثهم عما خصه الله به , ثم يقوم نخبة منهم عند أبواب السموات يتلقونه  بالسلام والترحيب والدعاء .

وكما احتفى به الأنبياء في الأرض والسماء احتفت به الملائكة في الأرض والسماء

فهذا جبريل يرافقه صلى الله عليه وسلم في رحلته كلها منذ أن قدم له البراق ليركبه

إلى أن ارتقى أطباق السماء فما توقف إلا حين بلغ حدوده دون المقامات العلى التي ارتقى إليها الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم .

ولمَ لا يكون له كل هذا التكريم وقد لقي بالأمس العذاب حساً ومعنى وجرحت نفسه

أشد الجرح وأوذيت كرامته أشد الإيذاء فلم يخرجه ذلك عن أن يكون الرؤوف الرحيم

بمن آذوه .

كذبوه وردوا عليه بأقبح القول . سلطوا عليه سفهاءهم ليرموه بالحجارة . أرسلوا إلى قومه يخبرونهم أنه استنصر جيرانهم أهل الطائف عليهم فأبوا أن يدخل بلد الله الحرام الذي جعله الله آمناً .

لم يدخل البلد الحرام إلا بجوار . وهو جوار من رجل مشرك .

ما هذه الجراح ؟ ما أعمق غورها ؟ ما أغزر نزفها ودفقها ؟

ومع ذلك كله لم يشكهم إلى الله ولم يدع عليهم . لم يقل عليهم كلمة سوء . لم يرض أن تنزل النقمة عليهم . مع أن جبريل عليه السلام جاء بملك الجبال يستأذنه أن يطبق الجبال عليهم فأبى وقال : عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله . شكى أمره إلى الله وأبدى قلبه المستسلم لله الراضي بما يرضي الله لا يبالي بشيء إن لم يكن هذا الذي لقيه من غضب الله ثم يستعيذ من غضب الله ويقدم بين يدي ربه كل إعتاب يزيل به ما يمكن أن يكون من عتاب الله تعالى :( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني الناس , يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري , إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تحل بي غضبك أو تنزل بي سخطك , لك العتبى حتى ترضى ) .

أي رحمة إلهية سكبها الله  تعالى في قلب هذا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ؟

أي كمال ؟ أي سعة ؟ أي فيضان ؟

من الذي يرى أو يسمع ثم لا يمتلئ قلبه بالحب والإجلال بل وبالهيام العظيم؟

الأرض سمعت وأبصرت ، والسماء سمعت وأبصرت ، والملائكة وأرواح النبيين كذلك ، فأفعم الشوق قلوبهم  وكيانهم إلى هذا الحبيب الأعظم فكانت هذه الرحلة تكريماً أعظم له وتلبية كريمة لأشواقهم , ثم معجزة لأهل الأرض يهتدي بها ذوو العقول المنصفة, وتلقم الحجر لأفواه  كل المعاندين فتبهتهم وتفرقهم بالإفحام .

أما هو صلى الله عليه وسلم فقد لقي من الحفاوة الإلهية وحفاوة الملائكة والأنبياء وأهل السماء ما غـبطه به أعاظم الأنبياء والمرسلين .

أي مكان يرقاه أعلى من سدرة المنتهى ؟ وأي قرب أقرب من أن يكون قاب قوسين أوأدنى في حضرة لا يدانيها نبي مرسل ولا ملك مقرب ؟ حضرة نورانية لا يطيق الدنو منها أعظم المخلوقين من نور وهو جبريل عليه السلام ؟  حضرة كلها مناجاة بين الخالق الأعظم والحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم , مناجاة تغسل كل الأذى الذي صبه عليه ذوو القلوب المتحجرة والنفوس المنتنة ؟ مناجاة تستبعد كل توجس من إمكان السخط والغضب مناجاة تزيد رحمة للخلق فوق رحمته وعزيمة في استنقاذهم من الجحيم وأوضار الضلال في الحياة الدنيا قبل الآخرة .

لم يكد الصباح يسفر حتى خرج إلى الناس يخبرهم بشيء مما كان يخبرهم بالإسراء كبرهان على أنه رسول رب العالمين .

ولكن كيف يصدق هذا قوم  تحجرت عقولهم في قوقعة ما اعتادوه من قدرة البشر كأن ما اعتادوه يحكم على رب العالمين كما يحكم على العباد . لقد سارعوا إلى الإنكار والتكذيب والصراخ تعجباً , بل ارتد عن الإسلام من كان بهذه العقلية الجاهلية , ولم تنفع معهم البينات والبراهين المشهودة بالأبصار . وبدلاً من أن تكون هذه المعجزة عندهم دعوة جذابة إلى الهدى والحق كانت عندهم عاصفة حالت بينهم وبين الهدى والحق رغم أنها معجزة دامغة لكل احتجاج يمكن أن يكون ، فإرشادها إلى الصواب حق لكنهم لايبصرون ، وكم من نبي جاء بالمعجزات الكبرى فما آمن معه إلا قليل إذ المعجزة إرشاد وبيان وبرهان وليست إجباراً ولا قهراً يرغم من رآها على الإيمان .

لقد أخبرهم عن بيت المقدس فوصفه باباً باباً ونافذة نافذة , وأخبرهم عن قافلتهم التي كانت في طريق الشام , وعن أمور وقعت معها بل أخبرهم عن يوم قدومها وعن ساعة قدومها وأنه يتقدمها جمل أورق , فكان الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم دون اختلاف ولو في كلمة واحدة , ولكن أين العقول البصيرة ؟ أين القلوب المنيرة ؟ أعجزتهم المعجزة ولكن طغيانهم طغى على عقولهم فلم يؤمنوا .

وأمام هؤلاء العميان كان أصحاب البصر والبصيرة والعقول المتفتحة الوفيرة , رأوا البينات من قبل فآمنوا وامتلأت قلوبهم باليقين فوصلوا هذه البينة الجديدة بقدرة الله كما وصلوا ما قبلها فلم يترددوا في أن يقولوا كما قال أبو بكر رضي الله عنه :( إن كان قال ذلك لقد صدق والله إني لأصدقه على أكبر من هذا خبر السماء يأتيه بين ساعة وساعة ) لقد تبينت العقول نور البينة فانشرحت صدورهم واكتمل يقينها وبهذا اليقين الأعظم استقبل أولوالألباب خبر التكريم الأعظم للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليماً ) .

                                                        

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

مختارات من القسم

  1. من ملامح السلوك إلى الله(سؤال وجواب)
  2. انطلاقة النور
  3. حلم النبي صلى الله عليه وسلم
  4. الـــرحمـــة الهــــــاديـــــة
  5. السعــــادة والــــزواج