10 اكتوبر 2012

في القصاص حياة

بسم الله الرحمن الرحيم

في القصاص حياة

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

" ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعـلكم تتقون " ( البقرة 179 )

 قبل هذه الآية جاء قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " الآية ، والقصاص حكم شديد على النفوس ، وذلك أن القاتل وذويه ينظرون إليه نظرة الخائف على فرد منه سيفقد بالقصاص ، وذووا القتيل - إذا لم تهذب نفوسهم التقوى - يودون لو قتلوا القاتل وعدداً من أهله ليشفوا غليل قلوبهم ، كما اشتهر عن أهل الجاهلية قول كثير منهم : لو قتلت أهل القاتل جميعاً ما رأيتهم كفؤاً لقتيلي .

ولما كان هذا الحكم ثقيلاً على النفوس التي لم يهذبها الإيمان كان هذا الحكم جديراً أن يحاط بما يدعو إلى قبوله من وجوه عدة ، ولذلك بدأت الآية بنداء الذين آمنوا تنبيهاً إلى أن هذا الحكم قائم على حكمة الله فينبغي للمؤمنين بالله أن يقبلوه ، وختمت الآية بتهديد من لم يمتثل أمر الله في القصاص والعفو والدية فعاد إلى العدوان بأي وجه كان ، ولذلك كله جاءت الآية : "ولكم في القصاص حياة " توعيةً للعقول ، وتأليفاً للقلوب ، وحثاً على الطاعة .

وهذه الآية مدارها على بيان حكمة الله في القصاص : " في القصاص حياة " فهذه الحكمة أساس في حث النفوس على تقبل هذا الحكم الشديد لما فيه من المنفعة إذ هو على خلاف ما ينظر الناس إليه وخلاف ما يبدو للنظرة السطحية عند من يرونه موتاً فقط ، والحقيقة أن فيه حياة ، والعبارة تدل على أنه ليس حياة خالصة بل فيه قتل الجاني ، ولذلك لم تقل الآية " القصاص حياة " لأن ذلك يؤدي إلى ألا يكون هذا الحكم إلا على وجه المبالغة وتجاهل قتل القاتل ، ومع ذلك دلت الآية على كثرة الحياة الناتجة من هذا الحكم لأن لفظ حياة منكر غير معرف ، والتنكير في هذا السياق سياق الحث على امتثال العمل بالقصاص يعني أن هذه الحياة لكثرتها لا يحاط بمقدارها ولا تعرف حدودها ، وهي أنواع متعددة كما يظهر عند تأملها .

فهذا الحكم إذا عمل به في واقعة حصلت وأنفذ القتل بالقاتل كان ذلك كفاً لأهل القاتل وأهل القتيل عن معارك الثأر التي كانت سائدة في الجاهلية ، وكانت نارها تلتهم أفراداً كثيرين من الفريقين وربما استمرت سنوات طويلة، ثم يكون في إنفاذ هذا الحكم ردع لكل من تحدثه نفسه بالعدوان على الآخرين – ماعدا أهل القاتل والقتيل - فلا يقتل ولا يقتل قصاصاً ولا غير قصاص ، أما إذا استقر هذا الحكم بين أفراد الأمة ولم يحتاجوا إلى إنفاذه فذلك لايكون إلا إذا كان مجرد الإيمان بهذا الحكم ، ومجرد العلم بأنه سينفذ يكون رادعاً عن الابتداء بالقتل والعدوان كما تقدم ، فتكون الفائدة أعظم ، وتكون الحياة الناتجة من هذا الحكم أكبر وأكثر تنوعاً

ثم إذا لا حظنا شمول لفظ القصاص لكل عدوان بالجراح أو الضرب بلا جراح أو بالشتم وجدنا جانباً آخر من أنواع الحياة لأن هذه الأنواع من العدوان كثيراً ما تؤدي إلى القتل فإذا ارتدع من يهم بها عنها بالقصاص تجنبت الأمة بلايا القتال والقتل أيضاً .

وفي تعريف القصاص بالألف واللام العهدية  إشارة إلى أن المقصود بالقصاص هو القصاص على الوجه الشرعي العادل: "كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ... " الآية، حيث ينبغي أن نتحرى المساواة فبدون المساواة تموت ثمرة القصاص .

وقضية أن في القصاص حياة هي في نفسها غريبة لافتة للأنظار لأن القصاص إبادة للحياة فالقول بأن فيه حياة يدعوا إلى التأمل فيه والتفكير في كيفية وجود الحياة فيه فإذا أدرك ذلك القارئ تمكن فهمُ القضية وحكمتها في عقله ونفسه .

ودخول حرف الجر " في " على القصاص يصور القصاص في صورة المنبع للحياة ، وهي صورة جميلة، أو في صورة الظرف الذي يصون ما فيه  ، وهي صورة تشعر القارئ بالأثر العظيم لهذا الحكم الحكيم ، وفي الاحتمال الأول يرى الشيء ينبع من ضده وفي الثاني يصونه ضده ،  وقوله " لكم " في مطلع هذه الآية لفت للانتباه إلى مضمونها لأن اللام للملك أو الاختصاص، والإنسان إذا أخبر أنه سيعطى شيئاً أو يخصص به شيء اهتم بمعرفته ، فإذا ذكر أقبل عليه واشتغلت به نفسه ، فتأمله وتدبره .

وليس المراد بهذا التخصيص أو التمليك أن يكون لأولي الألباب خاصة بمعنى أنهم المستفيد من الحكم دون غيرهم وإن كان بعض الناس يتوهم ذلك بسبب قوله سبحانه وتعالى : " يا أولي الألباب " وإنما المراد حث جميع الناس على فهم الحكمة الإلهية النابعة من هذا الحكم ، كما يقال بين الناس هذا أمر لا يفهمه إلا العقلاء وإن كان يفهمه غيرهم ليرغب الجميع في أن يكونوا من العقلاء بسبب فهمهم هذا الأمر وذلك يدعوهم إلى التفكر فيه .

وقوله : "  يا أولي الألباب " استعملت فيه ( يا ) من أدواة النداء لأنها أقواهن في التنبيه والدلالة على طلب الإقبال ، وهذا يشعر السامع بأهمية الأمر الذي نودوا لأجله ، والألباب العقول الواعية الذكية ، فلذلك اختير هذا اللفظ دون لفظ (أولي العقول ) كما لم تستعمل الصفة المشتقة من اللب وهي لبيب وجمعها ألباء لأن في هذا اللفظ : "أولي الألباب"  دلالة أقوى على كبر ألبابهم ، والفرق بينهما كالفرق بين لفظ (عالم) ولفظ ( ذي العلم ) لأن الجزء الأول يدل على الشخص ومصاحبته للصفة ، والثاني يدل على الصفة دلالة مستقلة ، وذلك يدل على عظم الصفة وعظم اتصافهم بها كأنه قيل : ( يا أعظم الناس ألباباً )  تدبروا حكمة هذا الحكم لكي تكونوا منه على يقين فيدعوكم ذلك إلى الإيمان به وامتثاله .

فإذا كنتم كذلك كنتم ممن ترجى لهم التقوى ، ولذلك قال سبحانه وتعالى في ختام الآية : "لعلكم تتقون " وفي حذف مفعول " تتقون " دلالة على شمول كل ما يناسب السياق مما يتقى ، فيقال هنا : لعلكم تتقون أضرار ترك القصاص وأضرار عقاب هذا الترك في الدنيا والآخرة ، وتتقون الحرمان من بركات الطاعة وبركات رضوان الله تعالى بها ، وإنما جيء ب ( لعل ) دون اللام كأن يقال: ( لتتقوا ) لتفيد العبارة بعث الرجاء في القلوب زيادة على التعليل الذي تفيده اللام ، لكن استفيد التعليل من الاستئناف في جملة ( لعل ) لما قبلها ، والفرق بينهما كالفرق بين ( اتق الله لتنجو) و ( اتق الله لعلك تنجو ) الأول يفيد التعليل فقط والثاني يفيد التعليل مع رجاء الحصول وبذلك تكون الآية قد جمعت وجوهاً من تعزيز أحكام القصاص إقناعاً وترغيباً وترهيباً وفتحاً لأبواب رجاء الخير من الله تعالى .

وقد كانت هذه الآية تعد مظهراً من مظاهر إعجاز القرآن ، وهذا المظهر هو أن التعبير القرآني لم يقارن بتعبير آخر في معناه إلا ظهر فضله عليه ظهوراً عظيماً لا خفاء فيه عند ذوي الخبرة بالأساليب الأدبية ، وقد ذكر الناس في هذا المعنى ما ينسب إلى العرب من الكلمات الحكيمة : ( القتل أنفى للقتل ) والمتأمل في العبارتين يرى فضل الآية يسمو على هذه الحكم سمواً عظيماً .

 وأول ما يلاحظ من قصور هذه الحكمة عن الآية الكريمة هو أنه ليس كل قتل ينفي القتل بل القتل على سبيل القصاص هو الذي ينفي القتل ( العدوان ) وليس في هذه العبارة ما يدل على ذلك وإن كان هو مقصود القائل  .

والثاني : أن هذا القول خاص بالقتل على خلاف الآية فلا يشمل قصاص الجراحات والضرب والشتم سواء لوحظ القتل الأول الذي هو العقوبة أو القتل الثاني الذي ينفي بالعقوبة .

والثالث : أن هذا القول لم يشتمل على المعاني الوفيرة الأخرى المتقدم ذكرها في الآية .

والرابع : أن هذا القول جاء مجرداً من السياق الذي جاءت فيه الآية وهو سـياق يجعل المعنـى مستحسناً في العقـول والقـلوب مرغـوبـاً فيه عند كــل عاقل .

والخامس : أن الآية نصت على المطلوب من الحكم وهو حفظ الحياة

 أما ذلك القول فذكر نفي القتل وهو لازم الحياة وليس هو الحياة نفسها ، وذكر الحياة النابعة من القصاص أو المصونة فيه أقرب إلى القلب والعقل وأجمل في اللفظ .

السادس : أن الآية ليس فيها تكرار وذلك القول فيه تكرار ، والتكرار غير مستحسن إلا أن يؤدي إلى فائدة لا تحصل بدونه .

السابع : أن الآية أوجز أي أقل حروفاً وإن كان الفارق ثلاثة أحرف فقط مع وفرة معانيها وفوائدها المتقدمة .

الثامن أن ألفاظ الآية وحروفها مع تنوعها أكثر تلاؤماً ووقعاً في الآذان وهو أمر يدرك بالسماع والخبرة بأثر الأصوات في النفس والقارئ المتمعن يلحظ ما في الآية من حكمة المعنى وعظمة الحكم وإحكام النظم وجماله ما يرشده إلى إدراك معنى الإعجاز ، وقد ذكر العلماء وجوهاً أخرى من المفاضلة تجنبتها خشية التطويل واكتفاء بما يدل عليها مما ذكرت ، وبذلك يتضح جانب من الإعجاز في هذه الآية الكريمة والله تعالى أعلم  .