10 اكتوبر 2012

طريق الآخرة في تراث الشيخ سعيد النورسي بديع الزمان

طريق الآخرة

في تراث

الشيخ سعيد النورسي بديع الزمان

بقلم الدكتور محمود الزين

 

 

تصدير مهم :

قبل الحديث عما قاله الشيخ عن طريق الآخرة لابد من الكلام عن أثر هذا الحديث في النفوس - كجزء من رسالته كلها - هذا الأثر الذي استمر نحو قرن من الزمان ، فسير الأتباع المحبين على خطاه وتشبع الكثيرين منهم بتعاليمه وحرصهم على نشر آثاره ودعوتهم العلماء للبحث في هذه الآثار كل ذلك يدل على إخلاص عظيم من الشيخ الكبير قليل نظيره في هذه العصور .

ولا أريد الحديث عن هذا الإخلاص وآثاره ومظاهره إلا مظهر واحداً منها يجذب القلوب ويدخل أعماق النفوس فيدفعها في طريق التوجه إلى الآخرة وإلى السير الدؤوب فيه بحب ورغبة بل في كل طرق الإيمان والعمل الصالح المصلح ، هذا المظهر الذي قصدته من مظاهر الإخلاص هو التواضع الجم ، التواضع الذي لا تخطئه النظرة العابرة السريعة ولا يتجاوزه اهتمام النظرة المدققة الفاحصة ، بل يرى في كل فقرة وفي كل جملة وفي كل كلمة .

والتواضع خلق محبوب تتساقط الحواجز بينه وبين القلوب والنفوس لأن نفوس الكثيرين تغلبها العزة والإباء وربما يقع بعضها في مرض التكبر فلا تتقبل النصح ممن يساويها وترفضه كل الرفض ممن يتعالى عليها ويعتز ولو بعلمه وعمله الصالح ، أما إذا قدم إليها النصح إنسان متواضع برفق المتواضعين ولينهم وحبهم لمن ينصحونه وذلهم له في كثير من الأحيان سارعت إلى القبول ، والتذلل لغير الله بغيض عند الله إلا في معاملة المؤمن لأخيه المؤمن كما قال الله تعالى : { يا أيها اللذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } 5 المائدة .

نعم إن التواضع حبيب إلى الله هو وصاحبه ، حبيب إلى الخلق هو وصاحبه ، وتواضع العلماء أحب إلى القلوب وأقرب لأن العلم يرفعهم وهم رغم ذلك يتواضعون ، والتواضع الحقيقي لا يقدر عليه من العلماء إلا أرباب النفوس المزكاة : النفوس التي تشعر أن كل ما فيها من خير لا فضل لها في تحصيله ولولا الله ما نالت منه شيئاً سواء كان هذا الخير علماً أو تقوى أو عملاً صالحاً ، حتى التواضع نفسه يراه أصحاب النفوس المزكاة هبة ربانية يجب عليهم شكرها ، وغير هذا الصنف من العلماء تراهم دائماً لا يكفون عن الثناء على أنفسهم وأعمالهم صراحة أو تعريضاً .

فلنستمع إلى الشيخ بديع الزمان وهو يقول في مطلع كل فقرة من نصائحه هذه الكلمات : ( أخي ، أختي ) ويصف نفسه " بالعبد الفقير أو الضعيف أو العاجز أو المقصر " وهي كلمات يقولها آخرون ولكنك لا تجد لها في قلبك هذه الحلاوة التي تجدها في كلام بديع الزمان أعلى الله مقامه ، والكلام إذا خرج من القلب نزل في القلب ، وإذا خرج من ظاهر اللسان لم يجاوز الآذان ، كما تقول الحكماء ، وحق هذا التواضع الباهر في كتب بديع الزمان أن يدرس ويجمع لتبرز آثاره فتكون قدوة للمحبين وللدعاة إلى الله تعالى .

وإني لم أذكر هذا التواضع للثناء على الشيخ - وإن كان يستحق الثناء العاطر - إنما ذكرته لأذكر نفسي وأذكر كل حريص على التذكرة - والذكرى تنفع المؤمنين - فلنذكر هذا الخلق الكريم وأهميته في قبول الناس لدعوة الشيخ رحمه الله وفي استمرارها على امتداد قرن من الزمان ، وفي التأسي به وبأمثاله فالأخلاق الزكية لا تنال إلا بصحبتهم وتوجيهاتهم وتربيتهم كما فعل الأئمة الهداة في تاريخ أمة الإسلام ، والتزكية ثلث الرسالة المحمدية على صاحبها أزكى الصلاة والسلام والتحية قال الله تعالى : { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } .

طريق الآخرة

تناول الشيخ هذا الموضوع من جهات متعددة أوضحت نتائج العمل للآخرة وأزالت إشكالاته وعوائقه ، ولو تحدثنا عن تفصيلات ذلك لطال الكلام فلا بد من الاقتصار على أهم الأمور وهي ثلاثة : أولها البرهان العقلي على أن إحياء الموتى على الله تعالى ، يسير كأيسر الأمور ، وثانيها منافع هذا الإيمان وثالثها علاج تشبث النفس بالحياة الدنيا رغم إيمانها بأن الآخرة خير وأبقى .

 

 

البرهان على أن إحياء الموتى يسير على الله كإمكان أيسر الأمور

وهو أمر واضح يراه الإنسان أمامه في كل مظاهر الحياة فليس الإيمان بالآخرة هو العجيب بل ترك هذا الإيمان هو العجيب يقول الشيخ سعيد رحمه الله في الكلمة / 14 / : ( عجيب أن يكفر الإنسان بالخالق أو بيوم القيامة وفي كل حبة ونواة أرشيف لحياة جنسها ، ثم ينسب ذلك إلى الطبيعة الجامدة ) وهذا القول تذكير بأن إعادة الخلق ليست قضية عادية إنما هي قضية تقوم على برنامج علمي في غاية الحكمة والإحكام وهو موجود في كل حبة ونواة ، فكيف يمكن أن يكون هذا البرنامج من صنع الطبيعة الجامدة لا من صنع خالق عليم قدير ؟!  فإذا كان الله هو من صنعه فكيف يعسر عليه إعادته بعد الفناء والإعادة في مجرى حياة الناس أيسر من البدء كما قال الله تعالى : { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } .

ثم يقول رحمه الله بعد ذلك بقليل قوله تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } وأمثال هذه الآية يعني أنه سبحانه يخلق بسهولة مطلقة ، بسرعة مطلقة ، دون معالجة أو مباشرة فتوجد الأشياء بمجرد الأمر ، وذلك أقرب ما يكون - لو أردنا التشبيه - بتأثير الشمس في الشجر والحيوان حيث تنفعل هذه الأشياء بمجرد وقوع أشعتها عليها ، وهذا ما أشارت إليه بداية الآية { أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } ؟!

طريق الآخرة وأثره في حياة الإنسان :

في الكلمة الثانية قصة رمزية توضح آثار طريق الآخرة بين أهل الخير المؤمنين وأهل الشر المعرضين عنه ، فأهل الخير المؤمنون العاملون بطاعة الله السائرون في طريق الحق يعيشون في طمأنينة كبيرة من آثار طاعة الله فكل طاعة لبها ذكر الله تعالى وقد قال سبحانه : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } أو ذلك مهما كانت أحوال الحياة الدنيا عسيرة لأنه يؤنسم فيها الشعور بأن الله تعالى معهم وأنه سيعوضهم عن ذلك يوم القيامة ومهما كثرت الابتلاءات فإنها ترفع درجات المؤمنين الصابرين الراضين بقضاء الله وقدره وتذكر العصاة الغافلين الذين لا يقومون بحقوق الحياة وحقوق وطاعة الله وينسون لقاء الله في الآخرة كما تذكر الابتلاءات أولئك الكافرين حتى لا يظنوا أنهم يستطيعون الهروب من واجبات الحياة ومسؤولياتها أو من حساب الله وعقابه حتى يرجعوا إلى صوابهم ، وإنما تأتي المصائب العامة للمؤمن والكافر كالزلازل ولا تخص الكافر والعاصي لكي يبقى للحياة معنى اختيار الخير على الشر إيماناً بالله تعالى .

ثم إن الإيمان والاستعداد بالطاعة لأجل الحياة الآخرة يعطي الحياة طابع الخير والتوافق واجتناب الشرور ، فالإنسان مخلوق للعبادة أي الطاعة فلا يصلح بشيء غيرها كما لا يصلح أي شيء إلا إذا استعمل فيما صنع لأجله وبدون ذلك يصيبه الدمار أو الخراب والفساد .

فأعمال الطاعات في نفسها نعم تعود على صاحبها بالخير والنجاح كلما أكثر منها ، وأعمال المعاصي في نفسها نقم تعود على صاحبها بكل شر وفساد وتزاد النقم بازدياد المعاصي .

وما يراه الإنسان في حياة أولئك الكافرين زالعاصين من نعم هو نعيم شكلي كالشجرة التي ينخر فيها السوس قبل أن تسقط ، وأدل شيء على ذلك كثرة الأمراض النفسية عند الكافرين والفاسقين وكثرة الانتحار .

وقد يتراءى لقصير النظر أن طريق أهل الإيمان فيه حرمان من الطيبات التي يتمتع بها أهل الكفر والفسوق ، وفيه متاعب كثيرة يبذلونها في الطاعات قد استراح منها أهل الكفر والفسوق، والواقع خلاف ذلك فالمتع المحرمة التي يستغرق فيها العصاة تجني عليهم أسوأ العواقب ، فالخمر مثلاً تضيع بشربها العقول وتفسد صحة الأجسام ، كما يقول كل الأطباء مؤمنين أو كفاراً ، وتزداد بها اضطرابات النفوس بعد الصحو ، وكثيراً ما تكون سبباً للخصومات ومشاكل الحياة ، وكذلك الفواحش تتحطم بها الأسر ، ويضيع الأطفال وتقع الخصومات وتفيض على أهلها أخطر الأمراض ، ويقال مثل ذلك في كل المعاصي ولاسيما الكبائر ، فالغش دمار للحياة الاقتصادية والسرقة والغصب أقبح ، والقتل - بدون قصاص - يفتك بحياة الإنسان فتكاً ذريعاً ، وهذا كله مقدمة للعذاب العظيم في يوم الخلود الأبدي قال صلى الله عليه وسلم : " يؤتى يوم القيامة بأبأس أهل الدنيا ممن آمن بالله فيغمس غمسة في الجنة ثم يقال له : هل مر بك بؤس قط فيقول : لا ، ويؤتى بأنعم أهل الدنيا نعيماً فيها ممن كفر بالله فيغمس في جهنم غمسة ثم يقال له : هل مر بك نعيم قط فيقول : لا  " .

ولو لم يكن في حياة أهل الإيمان والطاعة السائرين على هدى الله في طريق الآخرة – سوى الوقاية من هذه الشرور لكانت الوقاية كافية ، ولكن حظهم يزيد على ذلك بثمرات الطاعات ، فالصلاة وأذكارها طمأنينة للقلوب وراحة للنفوس وهي نعمة لا يعرف قيمتها إلا من حرم منها، والصيام صفاء وتطهير للنفوس من سيطرة شهوات الجسد وصيانة للأجسام من الأمراض ، والزكاة صفاء أيضاً من ظلمات الأنانية ، وشعور أخوي بين أفراد الأمة تزين الحياة بعطر المودة والمحبة ، والحج تجرد لله تعالى مع مزيج من طيب الروح الأخوية بين الحجاج وآثاره أكبر من ذلك يعرفها من عاش فيها وتذوقها .

وطاعة الله تعالى في المعاملات كطاعته في العبادات حيث تسود الأمانة والعدالة وإقامة الشهادة على وجهها ونشر الهداية في العالمين ، وكفُ الظالمين المانعين لها فتكون الحياة بسبب ذلك الإصلاح الشامل كأنها حدائق شذية مملوءة بكل الأزهار .

وطريق الآخرة - كما هو في كتاب الله وكما أوضحه الشيخ النورسي رحمه الله - لا يتم بمجرد ذلك فخدمة الإنسانية وخدمة الأمة الإسلامية تكميل لا بد منه في طريق الآخرة ، فالدراسات الطبية في إصلاح الأبدان والدراسات الهندسية في إصلاح الآلات وإتقان البنيان ، والاختراعات المتنوعة التي ترقى بحياة الإنسان وتصد عن الإنسانية عدوان أهل الطغيان وغير هذا مما يتجدد مع تجدد الزمان كل ذلك مما يعظم ثوابه عند الله ، ويكافئ عليه خير المكافاه ، في دنيا فاعله وفي أخراه فتتم ثمرات طريق الآخرة ، والآخرة خير وأبقى فيها نعيم بلا تكليف وفيها أنواع اللذائذ مع مزيد الإكرام والتشريف { فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون } بل فيها { ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر } .

قال الحسن البصري رحمه الله : ( لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من فخار لوجب على العاقل أن يختار طريق الآخرة لأن فخاراً يبقى خير من ذهب يفنى فكيف والآخرة ذهب باق والدنيا فخار فانٍ ؟! ) وهذا من معنى قول الله تعالى : { بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى } .

 

 

لماذا يؤثر الناس الحياة الدنيا مع أن الآخرة خير وأبقى :

يجيب الشيخ سعيد النورسي رحمه الله عن ذلك إذ يخاطب النفس الإنسانية فيقول : ( يا نفس لا تكوني كالنعامة التي رأت الصياد فدفنت رأسها كي لا تراه ظناً أنه حينئذ لن يراها ) وهذا يعني أن الإنسان الذي يتغافل عن الآخرة يكون كالحيوان الذي لا يحسن الحفاظ على نفسه يغلب حسه على عقله ، وهذا إنما يصاب به الإنسان إذا استغرق في الشهوات ولم يفكر في غير اللحظة الحاضرة مهما كانت المصائب التي تنتظره عظيمة بعد ذلك .

لذلك يعاود الشيخ خطابه لنفسه كنفس إنسانية فيقول لها : ( لماذا تأبين الرحيل إلى الآخرة وهذا الإباء يضرك ؟! لن يبقى لك هنا أحد ، الفساد يزداد والأرض ستنكفئ بما عليها فلماذا الغفلة والتجاهل ) : { إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها يومئذٍ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } .

 

 

لماذا كل هذا التهديد للكافر أو العاصي

مع أن الإنسان ضعيف لا يشكل في هذا الوجود إلا جزءاً لا يكاد يذكر؟! فلماذا كل هذا التهديد؟!

يجيب الشيخ النورسي رحمه الله بأن الحياة الإنسانية شيء عظيم عند الله لها عنده المكانة العظمى ، فعالم الأحياء هو خلاصة العوالم ، وعالم الإنسان هو خلاصة العالم الحي ، والكفر والفسوق إفساد لهذا العالم كالإفساد الذي يتسبب به عامل السقي في البستان حين يقطع عنه الماء ، وكحال عامل السفينة الذي يقودها برعونة فيدمرها ويغرق من عليها ، والخطأ الكبير يجر أخطاء كثيرة والفساد يزداد حتى تفسد الحياة كلها .

وإذا أردنا أن نعرف صورة لما يجره الكفر على الحياة الإنسانية فلننظر إلى ما يفعله الكافرون في الحياة اليوم .

وإذا أردنا أن نعرف صورة لما يجره الفسق على حياة المسلمين فلننظر ولنقارن بين ماضي أمة الإسلام أيام تمسكها بدينها على الوجه الصحيح وبين حاضرها بعدما أهملت دينها وقصرت فيه كم أصاب حياتها من الفساد والذل والانهيار والدمار والهلاك ؟ أظن هذا النظر يكفي كل الكفاية .

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وكل العلماء العاملين .