04 سبتمبر 2012

دعائم الاحتشام

دعائم الاحتشام

 

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي شرع لأمة الإسلام من الأحكام والأخلاق ماجعلها خير أمة أخرجت للناس ، والصلاة والسلام على القدوة المثلى في كل خلق حسن وعمل طيب ، وعلى آله الأطهار ، وصحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

 

وبعد: فهذا بحث وجيز في (( السبل التي تمكن للاحتشام في المجتمع )) أحببت أن أساهم به في ندوة (( الاحتشام والسلوك العام )) التي دعت إليها كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة ، وعنوانه هو : ( دعائم الاحتشام )

 

بدأته بهذه المقدمة وأتبعتها بتمهيد يشتمل على موقع الاحتشام في المبادئ الإنسانية والإسلامية بوجه خاص ، وكيف نجح الإسلام في ترسيخ الاحتشام بين أتباعه ، وماهو مفهوم الاحتشام في الإسلام ، وذكرت لمحة تاريخية عن هذا الأمر الهام لدى أمتنا ، كما بينت المقاصد المرجوة من الاحتشام لأنها تعين السبل التي تسلك إلى ترسيخه في المجتمع

وجاء البحث بعد ذلك في السبل التي تمكن للاحتشام مصدراً ببيان إجمالي لهذه السبل حسب ما يراه الكاتب في الرؤية الإسلامية ، يليه شرح العناصر السبعة التي هي أهم السبل ، وقد اختلف حظ كل واحد منها إيجازاً وتفصيلاً حسب الحاجة ، وكان الإيجاز في العناصر التي تدخل تفصيلاتها ضمن المحاور الأخرى في الندوة ثم جاء الفهرس في الآخر.


تمهيد

 

الاحتشام مظهر للعفاف والطهر في المجتمع غائم عند غير المسلمين وعند المتفلتين من المسلمين , واضح جلي عند أهل الدين من العلماء والمثقفين والمتابعين , واضح المقاصد والمظاهر والوسائل والأحكام , شأنه كشأن  جميع التشريعات الإلهية لشؤون الحياة,كبيرها وصغيرها ,تتوفر فيها كل أسس النجاح فتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها , في حين تعجز التشريعات البشرية القائمة على الدراسات العلمية المتعمقة وعلى الدعم السياسي والتثقيفي والإعلامي والتقنينات المساعدة من عقوبات ونحوها ,كالذي مضى من تجربة أمريكا في تحريم الخمر لما عرفوا أضرارها  , وكالذي رأيناه ونراه من تجربة العالم كله في قضية مكافحة الإيدز فكلا التجربتين تفيضان فشلاً ذريعاً بينما نجد  المجتمع الإسلامي المعاصر _بعد زوال حكم الشريعة الإسلامية من أكثر يته الساحقة _أبعد عن الخمر والإيدز من كل مجتمعات  العالم الأخرى , ولا فرق بيننا وبين تلك المجتمعات إلا البقية الباقية من آثار التشريع الإسلامي في العقيدة والتربية والعادات النابعة منها , فإذا نظرنا في حال المجتمع الإسلامي عند سيادة تعاليم الإسلام ورسوخها وحكمها للحياة وقبل الفساد الذي طرأ بمخالطة المجتمعات الأخرى فلن يشك المتدبر في أن  المجتمع الإسلامي يكون خالياً أو شبه خال من هاتين المشكلتين .

وما ذلك إلا لأن عناصر نجاح التشريع التي تتوفر للتشريع الإلهي الذي  قاد مجتمعاتنا في ماضيها القريب لا يمكن أن تتوفر لأي  تشريع بشري , ولو اجتمعت على وضعه وإعداده كل علماء الدنيا . وهذا الأمر ينبغي أن يلفت أنظار العلماء والمثقفين من غير المسلمين ويبرهن لهم البرهان الأعظم أن هذا التشريع  تنزيل  ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن ؛ إذ كيف يتصور عقل العالم - بل عقل الإنسان سوي  - تشريعاً جاء به رجل أمي في بلد أمي في أمة أمية ينجح فيما تفشل فيه التشريعات التي تتعاون على وضعها مجالس التشريع ولجانها المتخصصة وعلماء القانون في جامعاتها مؤيدة بالإعلام والسياسة والقوة الحكومية ورقابتها وعقوباتها .

والأمر بدهي غاية البداهة فإن أهم أساس من أساسات التشريع الناجح أن تكون الأمة التي تعمل به   واثقة من واضعه كل الثقة , والثقة لها جوانب : الثقة بعلم واضع القانون , والثقة بنزاهته وبرحمته وبعدله فهل يمكن أن نقارن بين ثقة المسلم بشريعة ربه وبين ثقة أي إنسان آخر في  البشر  الذين وضعوا له القانون مهما كانوا في نظره ؟!

ثم القوانين تحتاج إلى رقابة من جهة القائمين على تطبيقها ، والإيمان برقابة الله على القلوب والأعمال عند المؤمن عظيمة جداً فلا توازيها رقابة

وهذا مع عدم إهمال  رقابة الأمة ورقابة المحتسبين , وقل مثال ذلك في العقوبات  التي تكون حماية للقانون , وفي المنفعة التي يجنيها الفرد وتجنيها الأمة من طاعة القانون , وقل مثل ذلك أيضاً في التعويضات عما تنهى عنه القوانين وتمنعه , فما كان حاجة طبيعية كالعلاقة بين الرجل والمرأة تمنع الشريعة الإسلامية منه ما كان مضراً , وتنظم غير المضر فيكون النظام صيانة للناس , وما كان منه ليس حاجة طبيعية كالخمر تمنعه وتشغل عنه الفرد وتباعده عن الدوافع التي تدفع إليه , والدوافع إلى الخمر إما التهرب من المشاكل والمسؤوليات , وهي محلولة ومجال التعاون واسع فيما لا يحل منها , وإما الإسراف في الترف وهو نفسه ممنوع في شريعة الإسلام .

والحقيقة أن الحديث عن أسس النجاح بين التشريع الإلهي والتشريع  البشري أمر يحتاج إلى بحوث مطولة  كثيرة أحببت أن ألم به في إشارة سريعة لصلته بموضوع الاحتشام  الذي نحن بصدده , فإذا  كنا نريد لقضية الاحتشام أن تنجح فما علينا إلا أن نرصد ما جاء عنها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما بحثه العلماء وفصلوه في شروحهم من مفهوم الاحتشام  ومظاهره , أو مسؤولية الراعي في تطبيقه أو السبل التي تمكن له في المجتمع أو دور المؤسسات المتخصصة في تطبيقه ثم الآثار الطيبة التي ينعم بها المجتمع نتيجة لذالك التطبيق .

وقد اخترت أن أتناول بالبحث السبل التي تمكن الاحتشام في المجتمع لأنها الجانب المقصود الذي يثمر ثمرة الاحتشام والوسيلة التي تطبع المجتمع بطابع الاحتشام , والله سبحانه المرجو للصواب , فإنه ولي التوفيق

 

مفهوم الاحتشام :

 

الحشمة في اللغة الحياء , والاحتشام مصدر (احتشم) بمعنى كف  نفسه عما يستحى منه  ترفعاً أي عن ما يناله به الذم بين الناس .

 

ولما كان المدح والذم مما يختلف فيه الناس كثيراً حسب النشأة والمبادئ والأعراف الاجتماعية والثقافات , كان لا بد من أن يختلف الناس في مفهوم الاحتشام اختلافاً كبيراً , إذ إن لكل أمة ثقافتها ومبادئها وأعرافها الاجتماعية الخاصة .

ولما كانت المجتمعات العربية مبدأ أكثريتها الساحقة هو الإسلام والأخلاق العربية التي أقرها الإسلام كان السبيل الوحيد لمعرفة معنى الاحتشام كمبدأ ومعنى ما يحتشم منه هو البحث في المبادئ الإسلامية جملة وتفصيلاً بحيث تظهر لنا القضية واضحة لا لبس فيها ولا غموض , وليس في ذلك إهمال لأهل الملل الأخرى التي تعيش في المجتمع المسلم , فهذه الفئات تأثرت كثير اً بأعراف المجتمع المسلم _قبل الاستعمار _حتى اقتربت في موازين الحشمة من المسلمين .

والإنسان في المجتمع المسلم يستحي من فعل الحرام وترك الواجب , كما يستحي من فعل المكروه وترك المستحبات والآداب والأخلاق , ومن فعل ذلك كان صاحب مروءة , وقد عرف العلماء المروءة بأنها قوة نفسية هي مبدأ لصدور الأفعال الجميلة المستتبعة للمدح شرعاً وعقلاً وعرفاً .

 

لمحة تاريخية عن الاحتشام في مجتمعنا الإسلامي :

 

وقد ترسخت مبادئ الاحتشام لدى أمتنا الإسلامية منذ العهد النبوي والعهد الراشدي , واستمرت غالبة على مجتمعاتنا _بتفاوت وانحدار يسير _إلى نهاية الجيل الثالث , كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته ), ولذلك عرفت هذه القرون الثلاثة لدى أمتنا بقرون الخيرية وقرون السلف , فكانت قدوة لأهل الخير في الأمة دائماً .

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته أن التغير الذي يطرأ على الأمة لا يدوم , بل يعقبه خير وإصلاح يستمر فترة ثم يطرأ التغيير ثم يعقبه خير وإصلاح كما جاء في الحديث عن حذيفة رضي الله عنه : ))يارسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال :نعم , قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم وفيه دَخن , قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر , قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها . قلت : يارسول الله صفهم لنا , قال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ......الحديث )) كما في الصحيحين .

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين أن الفساد إذا طرأ لايستمر انحداره إلا أمداً معيناً ثم يعقبه الإصلاح فقد قال صلى الله عليه وسلم (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )رواه أبو داود (4291) والحاكم .وبذلك تبقى هذه الأمة بفضل الله تعالى على خير دائم كما قال صلى الله عليه وسلم : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) رواه مسلم ( 4927 ) بلفظه والبخاري بلفظ مقارب .

وقد كان الفساد الذي يطرأ على الأمة إنما يطرأ عليها من تزايد المخالفة لشريعة الله تعالى حتى تكثر وتستشري بسبب تزايد الترف وخروجه عن حدود الله , أو بسبب العدوى من الأمم المجاورة حين يخالطها المسلمون ، وكان الإصلاح إنما يكون بسبب العودة إلى منابع الخير والفضيلة  في دين الله على يد حاكم مصلح أو على يد عالم داع إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، يتكرر ذلك مع تكرر القرون التي تمر بأمتنا مدا وجزرا .

أما الفساد المعاصر  فاختلف عما مضى اختلافاً  كبيراً , ولذلك كان من الضروري أن يختلف نهجنا في مقاومته عما مضى اختلافاً كبيراً وإن كان المضمون واحداً والأساس الذي ينطلق منه واحد .

لقد اختلف وضع أمتنا عما مضى  كثيراً ,كان الذين يتجاوزون حدود الاحتشام مهما كثروا ومهما كثر تجاوزهم يعترفون ولو في قرارة نفوسهم أن ما يفعلونه خروج عما ينبغي لهم , وكان المجتمع كله يرى ذلك كذلك أيضا ، وقلما كان ذلك بتأثر فكري وفلسفي يتخذ الخروج عن حدود الاحتشام مبدءاً , وكان التأثر بأفكار الأمم الأخرى في هذا  المجال وغيره تأثر اً  ضئيلاً  يأخذ في كثير من الأحيان طابع محاولة التوفيق بين الثقافات الأخرى وبين ثقافتنا الإسلامية .

أما في العصر الحديث فاختلف الأمر كثيراً ,حيث كان كثير من أفراد البعثات الدراسية الخارجية قبل دخول  الاستعمار إلى بلادنا يتبنون أفكار الثقافات الأجنبية فيما يتعلق بالاحتشام وغيره ويأتون إلى بلادهم دعاة لها يرون أن لا تقدم لأمتهم إلا بذلك , وقليل منهم من يرجع دون أن يغير نظرته الثقافية تغيراً عميقاً أو جذرياً ,ولما دخل الاستعمار روج لثقافته في بلادنا ترويجاً كبيراً استخدم فيه كل الوسائل  وأدخلها في المناهج الدراسية لا سيما الفلسفة كما أدخلها في كل بيت عن طريق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة ، وخرج الاستعمار من بلادنا وظلت ثقافته في كثير منها هي الغالبة وهي الموجهة للسلوك , وصارت ثقافتنا ومبادىء الحشمة لدينا شيئاً غريباً مستنكراً لم يعد التغير مقصوراً على المظاهر في اللباس والأعمال والكلام , لقد أصبح عند كثيرين  نابعاً من أفكار ومبادىء تنتج عنها هذه الأمور ، وذلك يقضي تقويماً جديداً للموقف وحلولاً جديدة هي أشبه ما تكون بدعوة جذرية في الفكر والسلوك إلى المبادىء التي ينبع منها الاحتشام وإلى كشف الشبهات التي تثار حوله ليكون أهل الإحتشام على بينة من أمرهم فلا تنزلق أقدامهم إلى منحدرات الأضرار التي تسوقهم إليها الشبهات وهم لا يشعرون .

 

مقاصد الاحتشام :

 

لا بد لمن يتحدث عن الإحتشام والسبل التي تمكن له في المجتمع من أن يتحدث بإيجاز عن مقاصد الإحتشام ونتائجه وثمراته , لأن ذلك يعين السبل المؤدية إليه المرسخة له في النفوس , وهي تتلخص في الوقاية من أضرار ترك الاحتشام وفي مقاومة تلك الأضرار حين تقع ويتأذى الناس بها .

ولا يشك عاقل في أن أضرار تجاوز الإحتشام كثيرة متعددة المستويات متفاوتة في حجم الضرر وعمقه وتشعب آثاره , وذلك لأن تجاوز حدود الاحتشام يثير غرائز الناس بالكلمة السيئة والمنظر المغري والعمل المتقحم مما يثير أيضاً جشع الغرائز واستمالة الرجل أو المرأة إلى ماليس يحل له .

وآثار هذه الأمور كثيرة أيضاً , فمن لايجد طريقاً حلالاً قد يقتحم في الحرام خيانة لنفسه ومجتمعه ولأسرة المرأة التي شاركته الحرام , وإذا لم يقتحم طريق الحرام أقلقه الحرمان الشديد إن لم يكن عنده حلال أو أقلقه أن يكون حلاله أقل جمالاً وأقل متعة مما رأى  ، والقلق مرض نفسي يدمر الإنسان ويضيع مستقبله , وأهم ما يذكر من أضرار الوقوع في الحرام أن ينتج منه ولد تتخلص أمه منه رمياً بين أكداس القمامة أو رمياً إلى دور اللقطاء في أحسن الأحوال , وهذه أعظم جريمة يرتكبها الراغبون في الفاحشة والذنب الأعظم فيها يرتكبه الرجل لأنه طرف العلاقة الأقوى , ومع ذلك يترك الولد بلا نسبة إلى والد وأسرة يتحملان حقوقه , ويترك المرأة تتحمل مسؤؤلية الحمل والولادة وآلامها ومسؤولية العار أمام الناس ، وإن كانت جريمة المرأة حينئذ لا تقل عنه كثيراً لأنها ضيعت نفسها وفرطت بأغلى ما تملكه , ولا ننسى من أضرار الفاحشة التي يغري بها ترك الإحتشام تلك الأمراض الجسيمة وعلى رأسها انهيار المناعة الذي يسمى الإيدز .

إن ترك الإحتشام باب صغير ولكنه يفضي  إلى متسع كبير تفيض منه الأضرار فيضاً وتفور فوراً يحطم الحياة الإنسانية : يحطم الأسرة بالخيانات والخلاف والقلق , ويضيع الأطفال بالتشريد , ويدمر الصحة الإنسانية أشد التدمير , فالسعي إلى إقامة بنيان الاحتشام وتشييد دعائمه وترسيخ أساساته من  أهم الواجبات الإسلامية والخلقية والإنسانية .

 

السبل التي تمكن  للإحتشام في المجتمع :

 

وقد ظهر لي من خلال البحث والتأمل أن أهم السبل التي تمكن للاحتشام في المجتمع سبعة هي :

أ-إحياء مفاهيم الاحتشام ومقوماته ومبادئه في الإسلام .

ب-ربط ذلك كله بالإيمان ربطاً يملؤه بروح الحياة والرغبة في التطبيق .

ج-دفع الشبهات عن مفاهيم الاحتشام ومقوماته ومبادئه الإسلامية والرد على من يروج الأفكار المغايرة .

د-وضع خطه لترسيخ هذا كله في البيت والمدرسة والمسجد والدوائر ووسائل الإعلام والإلتزام بتطبيقها التزاماً تاماً حتى يصبح ذلك فكرا سائداً وعواطف تحرك السلوك .

هـ-إيقاف تجاوزات الاحتشام في التلفزيون ووسائل الإعلام بشتى أنواعها وفي الحياة العامة سواء من حيث المظهر والمضمون .

و-إظهار أهل القدوة الحسنة من العلماء والولاة ليتأسى الناس بهم ويتبعوهم.

ز-تشجيع أهل الإحتشام بكل السبل , وردع الذين يتجاوزون حدوده بكل السبل أيضاً بدءاً بالموعظة الحسنة .

وكل واحد من هذه السبل يحتاج إلى بيان يعطي صورة واضحة عنه تمكن من فهمه والعمل به ولو صورة موجزة , ويعطي فكرة عن أثره في قضية الإحتشام وترسيخه في المجتمع .

 

أولا":إحياء مفاهيم الاحتشام ومظاهره ومبادئه التي يقوم عليها في الإسلام ، وأعني بإحيائها بيانها وبيان ما فيها من الحكمة والمصلحة مؤيداً بالبرهان العقلي والتجربة الواقعية , وهذا أمر غاية في الأهمية ، إذ إن الأعمال التي لا تقوم على مبادئ صادقة لها برهانها العقلي وحكمتها البينة لا يكون لها البقاء ,بل تزلزلها العوارض كلما احتكت بها شؤون الحياة , بينما السلوكيات التي تقوم على مبدأ صحيح ومقنع وحكمة بينة ومصلحة واضحة ترسخ في النفس أكثر وتصمد للتحديات ويستمر أثرها .

والأساس الذي ترتكز عليه مقومات الاحتشام ومظاهره هو النظرة الإسلامية إلى الحياة الإنسانية وإلى علاقة الرجل والمرأة خصوصاً , فالحياة الإنسانية في الإسلام سباق إلى الفضائل واجتناب الرذائل وتعاون على إقامة مجتمع تسوده الفضائل ويسوده التعاون وتظلله الرحمة والإخاء ولا ينهش بعضه بعضاً في سبيل الصراع على إرواء غرائز الطعام والشراب والجنس .

والمرأة والرجل –في النظرة الإسلامية –طرفان لشيء واحد هو الإنسان , بهما يستمر وجوده , يجتمعان في الإنسانية وتستوي فيها حقوقهما وواجباتهما ويفترقان في الذكورة والأنوثة وخصائص كل منهما , وتفترق حقوق كل منهما وواجباته عن الآخر بما يتناسب مع اختلاف خصائصهما , والحياة الإنسانية لا تقوم إلا بهما معاً فلا بد من تنظيم العلاقة بينهما بما يصلحها ويدفع عنها الفساد، والغريزة تدفع كلاً منهما إلى الآخر , ولا يقدر أحد أن يقف في وجهها إلا إذا دمر الحياة الإنسانية , وترك ذلك إلى الفوضى يؤدي إلى شر كبير  تصوره لنا المجتمعات الإباحية بما فيها من تمزق وتشرد وقلق وأمراض جسمية ونفسية واجتماعية فلا بد إذن من التنظيم .

والتنظيمات لا بد أن تهتم بحقوق الجانب الأضعف لأن الأقوى يصل إلى حقه بقوته والمرأة هي الجانب الأضعف بدناً والأضعف نفساً والأضعف عند تعارض العقل والعاطفة ، وإن كانت العاطفة الزائدة عن عاطفة الرجل عندها ضرورية لمهمتها الأساسية في الحياة وهي رعاية الأطفال , وترك الأمور فوضى يجعلها الخاسر الأكبر إذ يأخذ الرجل منها غرضه الشهواني ويهرب تاركاً لها مسؤولية الحمل والرضاع والرعاية مع أنه أقوى منها على معاركة أمور الحياة , وخسارة ولدها أكبر من خسارتها لأنه يدخل الحياة – إن ترك حياً – محروماً من كل قرابة تعترف به وبحقوقه . فمن أجل ذلك أنزل الله تعالى نظام الحياة الأسرية أنزله لإقامة كيان إنساني متوازن متراحم كأنه الجسد الواحد , يقوده الرجل ويتحمل مسؤولياته وترعاه الأم بحنانها ويسعد فيه الأولاد ويطمئنون إلى أن يقوى جسدهم وعقولهم على تحمل مسؤوليات الحياة.

وأذكر هنا إن شاء الله تعالى ما يتعلق بقضية الإحتشام من نظام الأسرة الإسلامي مع الإشارة ما فيها من حكمة تحفظ المصالح وتدفع المفاسد دون أن أذكر الأدلة الشرعية إذ لها مجالها الخاص المناسب , وأوجز ما أذكره قدر الإمكان لأنه إشارات تدعو إلى التوسع والتعمق لتكون تلك النظرة راسخة الأساس مشجعة لأهلها على الامتثال :

1-الزواج هو العلاقة الطبيعية الوحيدة للتكاثر الإنساني , لأن الفوضى شر كبير كما تقدم ، ولا بد من أن يرعاه أهل المرأة خشية أن  تقهر أو تخدع فتضيع حقوقها , ولا بد أن يكون بإشهار يحضره شاهدان فأكثر صوناً للحقوق عند الخلاف .

2-الإستمتاع بين الرجل والمرأة ممنوع خارج هذه الدائرة وهو جريمة يعاقب عليها الرجل والمرأة أشد العقاب للأضرار الشديدة التي تقدم بيانها .

3-كشف العورات سواء من الرجل أو المرأة أمام الآخرين ممنوع ، وكذا التمتع بها لأن ذلك إثارة للغرائز قد تنشأ عنه أضرار كثيرة كالخيانة الزوجية والعدوان على المحرمات والقلق وتفكك الأسرة المؤدي إلى تفكك المجتمع كله –كما تقدم بيانه في مقاصد الإحتشام-فلذلك كان الحجاب وستر العورة من أهم الواجبات التي تعين على الإحتشام .

4-الألبسة الشفافة و الضيقة لا تكفي لأنها لا تؤدي الغرض من الحجاب بل تفرغه من مضمونه .

5-خلوة الرجل والمرأة التي ليست محرماً ولا زوجة له ممنوعة دفعاً  لضرر العدوان والتغرير في حصول الفاحشة .

6-ستر المنازل ونوافذها بحيث تصون أهلها ومفاتنهم وزينة بعضهم لبعض وعلاقتهم الخاصة واجب مهم , فالمتعة الحلال إنما هي حلال لأهلها , وهذا المجال الطبيعي للتمتع بالجمال الإنساني , أما رؤية الآخرين لذلك فهي من الإثارة الفاضحة , وقد تقدم الحديث عن أضرار إثارة الغرائز ,وقد كان ارتفاع النوافذ –غير الداخلية –فيما مضى من تاريخنا يحفظ الصحة ويحفظ العورات والخصوصيات في هذا المجال .

7-غض البصر واجب مشترك بين الرجال والنساء إكمالاً لفائدة الستر والحجاب إذا وجد متهاون بالستر أو مخطىء بالكشف عن غير قصد .

8- الرجال قوامون على النساء يراعون جميع أمورهن ويقدمون لهن لوازم الحياة صيانة لهن عن مشاكل السعي للرزق وعن متاعبه وتفريغاً لهن من أجل مهمتهن الكبرى أي رعاية الأسرة .

9-العمل لكسب المعيشة غير واجب على المرأة ,بل هو مهمة القوام عليها ,فإن لم يكن لها قوام أو رغبت هي أن تعمل فلا بد أن يكون العمل مما يلائم طبعها ولا يعرضها للعدوان أو التغرير والإغراء الغريزي .

10-سفر المرأة بغير مرافقة زوج أو محرم لا يجوز إلا عند الضرورة الشرعية وضمن الشروط الشرعية لأنها إذا تعرضت لعدوان أو تغرير أو إغراء لم يكن معها من  يصونها في الغربة .

11-الأفلام والصور التي تشتمل على مثيرات الغرائز يجب أن تستبعد من المجتمع المحتشم فهي –وإن لم تكن مما يمارس فيه الحرام-مشجعة عليه مذكرة به عند غيابه .

12-الكلام المشتمل على مثيرات الغرائز يجب أن يمنع وأن يحاسب الناس عليه ولا يظهر في الأماكن العامة أو التلفون أو الإنترنت أو أي وسيلة من وسائل الإعلام .

ثانيا : ربط مفاهيم الاحتشام ومظاهره ومبادئه بالإيمان أمر مهم لا تقل أهميته عن معرفة تلك الأمور لأن العلم المجرد عن حيوية الإيمان القلبي وآثاره في سلوكيات الإنسان يبقى بمنزلة حبر أزرق على ورق لا يتفاعل مع مواقف الحياة ، فإذا قام ذلك العلم على أساس إيماني أصبح ذا أثر كبير ونشاط عظيم يسوق صاحبه إلى العمل بهمة ونشاط لا يكل ولا يمل .

فالمؤمن ينظر إلى أمور الإحتشام وإلى كل تعاليم الإسلام على أنها تعاليم الله الذي خلق الإنسان وهو يعلم ما ينفعه وما يضره علماً محيطاً عميقاً لا تخفى عليه خافية ،فهو لا يأمره إلا بما ينفعه ولا ينهاه إلا عما يضره ولا يأمره بما يحرجه أو يشق عليه ( وما جعل عليكم في الدين من حرج) وهو سبحانه لا تنفعه طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي بل هو (غني عن العالمين ) فليس له مصلحة يجنيها مما يشرع لعباده ولا يخشى مضرة يدفعها عن نفسه بما يشرعه لخلقه فكل ما يشرعه خير محض ورحمة خالصة ، إنما ينتفع بذلك العباد فيحيون في يسر ونعماء ( يريد الله بكم اليسر ولا يرد بكم العسر ) (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) . وهذا شيء يملأ القلب رضاً بما شرعه الله ورغبة في الامتثال لا تعرف التهاون وحرصاً على ما فيه من المصالح ودفع المفاسد تتجدد ثقته دائماً .

وهو سبحانه يكافئ أهل طاعته في الدنيا بالحياة الطيبة بلا ضياع ولا حزن ولا شقاء ويجازي أهل معصيته بالشقاء والمقت وإن كانوا غارقين في اللذائذ الحسية، (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ) ثم يأتي بعد ذلك جزاء الآخرة للفريقين بما يستحق كل منهما (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين)

وهذا الجزاء مبني على حساب الله في كتاب (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) وعلى مراقبة الله الذي (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) .

وترسيخ هذه العلاقة الإيمانية وغيره يكون بالقدوة الحسنة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وآله وبمجالسة أهل الاحتشام والتقوى ،كما جاء في الحديث الشريف : (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير :فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ، ونافخ الكير إما أن  تحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة )

وقد قال الله تعالى : (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) .

يقابل ذلك تجنب أهل السوء والاستهتار وكل ظالم لنفسه بمعصيته لله تعالى ،كما  قال سبحانه :(ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) .

والذي يؤكد لنا أهمية ربط تعاليم الاحتشام وسائر تعاليم الإسلام بالجانب الإيماني ما نراه من الناس اليوم من ارتكاب الأخطاء التي لا يشكون في أضرارها اندفاعاً وراء شهوات النفوس ، وأقرب الأمثلة على ذلك كثرة المدخنين في كل المجتمعات مع علمهم بأضراره وكثرة أهل الفواحش في غير المجتمعات الإسلامية رغم علمهم بأنها تؤدي إلى انهيار المناعة أي الإيدز .

 

ثالثاً : دفع الشبهات عن مفاهيم الاحتشام ومقوماته ومبادئه :

 

وقد ذكرت فيما مضى أن مخالفات الاحتشام لدى أمتنا كانت في الماضي نوعاً من التهاون والشطط في تعاطي الشهوات ، وقلما كانت تنشأ عن انحراف فكري فلسفي ، أما في عصرنا هذا منذ بدأ الصدام السافر بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية ، فقد اختلف الأمر تماماً فوجد عندنا كثيرون ممن يتأثرون بفلسفة الحياة الغربية إما عن طريق القراءة أو الإعلام أو المعايشة في تلك البلاد ، وإما عن طريق اجتماع تلك الوسائل ، فمنهم المتأثر جذرياً عقيدة ونظاماً ، ومنهم دون ذلك على درجات متفاوتة تفاوتاً كبيراً بين التأثير الجذري والتأثير السطحي الذي يقول : لا بأس بإبداء المرأة زينتها مع المحافظة على حجابها ، وأهم مخاطر التـأثر ذاك الذي أصاب بعض علماء الشريعة فراحوا يلتمسون الفتاوى التي تهون على الناس تخفيف الاحتشام ليقاربوا بين الإسلام والحياة العصرية المتأثرة بالعادات الغربية زعماً منهم أن هذا التسهيل خير من أن يترك الناس دينهم كله لأجل اتباع العادات الغربية التي تستهويهم بموافقتها للأهواء .

هذه الشبهات كلها تحتاج إلى موقف حكيم من العلماء العاملين المتعمقين في فقه الأحكام والحكم الشرعية المتعمقين في فقه الدعوة الإسلامية فكثيراً ما اجتاحت هذه الشبهات أبناء أمتنا رجالاً ونساءً عن جادة الصواب في قضايا الاحتشام حتى صار كثير منهم لا يعرف الناظر إليه أهو من المسلمين أم من غيرهم ، وبدون التصدي الحكيم لذلك سيظل الاحتشام ينحدر مفهومه شيئاً فشيئاً حتى يزول .

إن البحوث في هذا المجال قد أخذت ولا تزال تأخذ من جهود العلماء والدعاة حظاً كبيراً ولكنها ما تزال بحاجة إلى المزيد لأن الشبهات يخترع الناس منها كل يوم جديداً ، وأهم أمر في مقاومتها –بعد تثبيت الإيمان بعظمة التشريع الإلهي –هو النقد القائم على النظر في جذور تلك الشبهات والمبادئ التي تستند إليها وأرى أنه من المفيد ضرب أمثلة من مناقشة تلك الشبهات مع ملاحظة  المبادئ التي تستند إليها :

1- فمن تلك الشبهات ما يقام على الفكر العلماني الذي ينكر الأديان أصلاً فيقول في قضايا الاحتشام : إنها مرفوضة أصلاً لأن الإنسان سيد نفسه وحياته ، وليس لأحد أن يفرض عليه سلوكاً معيناً ، وهذا ينبغي أن نتصدى له من جهتين أولهما وأهمهما : نقض فكرة إنكار الإله والأديان , وهي فكرة تستند إلى مقولة رائجة عند الغربيين رواجاً كبيراً هي أن العلم لا ينفي ثبوت الإله ولا يثبته فالإيمان به والكفر به مسألة شخصية وميول خاصة , وكل براهين التدبير المحكم في الكون مرجعها عندهم إلى نظرية النشوء والارتقاء رغم سقوطها علمياً ورغم معرفتهم بهذا السقوط ويتحدون مخالفيهم بقولهم : ماالفارق بين إيماننا بكون لا يوجد له خالق وإيمانكم بخالق لا يوجد له خالق .

وهذه القضية في الأصل لا تمس الاحتشام فلا داعي لبحثها هنا ولكنها أصبحت من الأساسات التي يرتكز عليها رفض الاحتشام  عند العلمانين وتلاميذهم من أبنائنا فلا بد من الجواب ولو بإيجاز شديد وهي تحتاج إلى بحث عند كل الدعاة يكشفوا عن أن الإيمان بالإله قضية بديهية  قاطعة أدلتها .

والفكر العلماني بهذا السؤال إما أن يكون غافلاً أو متغافلاً عن أن الكون كما تراه عقولنا ووسائلنا شيء مصنوع أي كان معدوماً ثم وجد  واستطاع العلم أن يحدد لبدايته تاريخاً وكون الشيء مصنوعاً يعني في حكم العقل أن له صانعاً والزاعم أنه لا صانع له متناقض كأنه يقول المصنوع غير مصنوع .

أما كون الشيء صانعاً فلا يدل في حكم العقل على حاجته إلى الصانع إنما يأتي السؤال عن صانعه من باب آخر وهو شائعة راسخة عند الكثيرين بلا دليل هي (أن كل موجود لا بد له من موجد) وهم على كل حال يؤمنون بأن الكون موجود بلا موجد ونحن نؤمن بأن الله موجود بلا موجد فكلانا يرفض هذه الشائعة الخاطئة ، وخلاصة القضية أن الكون مصنوع باتفاق ، والمصنوع لا بد له من صانع باتفاق ، ثم صانعه إما أن يكون مصنوعاً فهو مثله مهما تكرر فنقول :من صنعه؟ وبقي في عالم مصنوعات بلاصانع ، وإما أن يكون غير مصنوع أي يكون موجوداً بلا بداية فيكون قولنا :من صنعه؟ تناقضاً كأننا نقول غير المصنوع من صنعه ؟ فالصانع حتماً أزلي في حكم العقل .

ومتى بلغنا مع هؤلاء العلمانين هذا المقدار فلا بد أن يسلموا بأن من حق الخالق أن يشرع لمخلوقاته ما يشاء بل من الخير لهم أن يتمسكوا بما يشرع فكما كانت قوانينه لهذا الكون غاية في الحكمة والإحكام يكون القانون الذي يشرعه لخلقه كذلك .ثم نباحثهم بعد ذلك في براهين أن الإسلام هو قانون الله لخلقه .

والطريقة الثانية في التصدي لإنكار العلمانيين أحكام الاحتشام هو طريق المصالح الإنسانية في الاحتشام لكن قبل ذلك لا بد من أن نسألهم ماتقولون في القوانين التي يضعها الناس لأنفسهم هل يضعها كل إنسان لنفسه أو يضعها بعض الناس للآخرين ؟! ولا بد أن يقروا أن الذي يضعها بعض منهم فيحكم بها الآخرين ،فنقول : هل كل إنسان سيد نفسه كما تزعمون ؟ فإن قالوا :يصنعونها لحفظ مصالح الناس ،فنقول :إذن تعالوا نتحاور حول أحكام الاحتشام هل فيها مصلحة أولا ؟

وحينئذ ندخل في صميم القضية بمقدر فهمنا لحكمة الله في تلك الأحكام وما فيها من تحصيل المصالح ودفع  المفاسد  نستطيع أن ندعوهم إلى الصراط المستقيم في الاحتشام وغيره .

2-ومن أهم الشبهات وأكثرها رواجاً وتأثيراً في الدعوة إلى الإباحية التي يعيشها غالب الناس في المجتمعات الغربية ومن يتأسى بها أنهم يقولون إن حاجة الرجل والمرأة إلى الجنس حاجة بيولوجية أي قانون طبيعي في تكوين كل الأحياء وحاجة الإنسان إليه كحاجته إلى الطعام والشراب والهواء وكما يعيش الناس أحراراً في الهواء والماء والطعام يأخذون منها متى شاؤوا وكيفما شاؤوا كذلك ينبغي أن يكون أمر الجنس حتى يتمتع الإنسان بحياته وإلا كان الكبت والاختناق وهذه الشبهة قائمة على مغالطات ودعاوٍ باطلة فهل الإنسان حر في الحصول على الطعام والشراب بلا نظام ؟ أو لا بد أن هناك نظاماً للحصول عليهما بالشراء أو الهبة أو التبادل ؟ ولا بد أن يقروا بوجود نظام ، فنسألهم لماذا وضع هذا النظام ؟ ولا بد أن يقولوا: وضع لدفع الفوضى والخلاف والخصومات، فنقول : وكذلك وضع نظام الزواج لهذا السبب ، أرأيتم رجلاً عاش مع امرأة ثم جاءها منه مولود هل يحق له أن يترك مسؤولية المولود عليها مع أنه قد تكون منهما ؟ ولا بد إذا أنصفوا من أن يقولوا : لا ، فنقول :كيف ثبت أنه ولده لولا وجود عقد الزواج الموثق بالشهود ؟ أليس العقد الموثق هو الضمان ؟ وبدون هذا الضمان ألا تضيع حقوقها وحقوق طفلها ؟ أين أنتم من حقوق المرأة وحقوق الطفولة ؟ هذا هو معنى تحريم الزنى في شريعة الإسلام , والقضية ههنا أخطر من الطعام والشراب ، إنها حياة الطفل وأمه إما في الضياع وإما في الصيانة والحفظ ، وحفظ الضعفاء أ هم من إطلاق شهوانية الأقوياء باسم الحرية .

3-والشبه السابقة مهما راجت فإنها لا تبلغ في الرواج مبلغ الشبهات حول الاختلاط بين الجنسين لا سيما  الخطيبين وحول الحجاب وحول ستر الممارسات الجنسية بين الزوجين فمنها تطول الألسنة وتتعالى الأصوات وتقذف بحمم الاستنكار: لماذا تحبسون المرأة في الحجاب والبيت تخفون جمالها وتظهرونها في صورة قبيحة من الجمود والتخلف؟

هل تظنون أن الحجاب يمنعها من إقامة العلاقة مع الرجل ؟ إن الحجاب لا يجعل غير العفيفة عفيفة ولكن يخنق العفيفة ويزعجها ، إن العفاف يكون بالثقافة والتربية لابالحجاب , هذا الحجاب تعبير عن احتقارها وعدم الثقة بها كأنها طفل قاصر ، وتعبير عن سوء الظن بالرجال كأنهم جميعا ذئاب وإذا كان المقصود من الحجاب ستر فتنتها عن الرجل حتى لا تفتن به المرأة فهلا أمرتم به الرجل أيضاً ؟. والأشد إيذاء واحتقاراً لها من الحجاب هو الاختلاط بالرجل لا سيما خطيبها الذي تحتاج إلى مخالطته لتتعرف على أخلا قه قبل الزواج فتتركه قبل الزوج أو تكمل معه طريق الزوجية إن أعجبها ، ثم يقولون إنكم تخنقونها وتحتقرونها باسم مصلحتها ؟!

هذه الشبهات عند تأملها ووزنها بموازين المصلحة الإنسانية ومصلحة المرأة خصوصاً تتكشف عن تفكير سطحي لدى أعداء الاحتشام أو عن جشع شهواني يتخفى وراء دعوى المساواة والحرية والثقة بالمرأة لكي تتشجع على التفلت من حصون الاحتشام فينقضون عليها بالخداع والتغرير حتى إذا قضوا منها وطرهم تركوها تلعق جراحها وحيدة ، ومن خلال الحوار المنطقي معهم يظهر ما إذا كنا في الإسلام نخنقها ونحتقرها باسم مصلحتها أو ما إذا كانوا يستدرجونها باسم الثقة والحرية والمساواة لتكون بين أيديهم فريسة سهلة !!

ونحن نود أن ينظروا إلى العلاقة بين الرجل والمرأة نظرة واقعية وأن يعطونا الفرصة للإجابة على أسئلتهم شيئاً فشيئاً وأن يجيبوا بإنصاف –بعد أن يتذاكروا ما  تقدم من البرهان على ضرورة أن لا تقوم علاقة بين الرجل والمرأة إلا بعقد موثوق –ولنبدأ بمسألة الاختلاط فنسألهم :

هل حوادث الاغتصاب موجودة حقيقة أولا ؟ وهل حوادث التغرير مجودة حقيقة أولا ؟ ولا بد للعاقل المنصف أن يقول : إنهما موجودتان وجوداً يفرض نفسه على كل منكر ، وهذا يثبت أن بين الرجال من هو ذئب في صورة رجل وإن كانوا الأقل فليس ذلك مجرد سوء ظن بل هو واقع يفرض نفسه ، ونسألهم إذن أننتظر أن يفترسوها ثم نبحث عن الحل أم الوقاية خير من ذلك ؟ ولا بد للعاقل أن يقول : الوقاية خير من ذلك ونسألهم ثانية : أرأيتم لوكان في يدي أحدكم عشرة آلا ف تفاحة واحدة منها مسمومة أيتركها جميعاً وقاية لنفسه أم يقول احتمال واحد من عشرة آلا ف احتمال بعيد فيأكل منها ؟ولا بد للعاقل أن يقول :الوقاية خير من ذلك .

ثم نقول لهم : إن قضية الاختلاط أشد تعقيداً لأن التفاحة لا تشتهي أن تؤكل والمرأة تشتهي الرجل كما يشتهيها وقد تنهار مقوماتها أمام الإغراء والخداع فتستسلم والخاطب واحد من الرجال يمكن أن يخادع فتكون المرأة ضحية وقد يكون من اللقاء طفل ضحية أيضاً أهذا خير أم الوقاية بتقييد الحرية بعض الشيء كما تقيد حرية الخروج من المنازل على الرجال والنساء عند الأخطار ، أفنقول : هذا سجن وعدوان الحرية أم نقول : هو حفظ المصلحة ؟ أنقول إن منع الرجل من الخروج في الأخطار تحقير لهم لأنه اتهام بالجبن ؟ أم نقول : الوقاية خير من العلاج في الخروج إلى الأخطار وفي خروج المرأة إلى الاختلاط.

  هذه قضية الاختلاط فإذا انتقلنا إلى قضية الحجاب فنرجو ممن ينتقده أن يخبرنا عما يثير الرجل أو المرأة غريزياً تجاه الطرف الآخر أليس هو النظر إلى مواضع الإثارة من الجسم ؟ فنقول : إن الإثارة إغراء بممارسة متطلبات الغريزة وذلك أقوى من الدعوة إليها باللسان أفيصح في العقل مع السماح بهذا الإغراء أن نقول: إن حصول علاقة غريزية بين الرجل والمرأة ممنوع إلا ضمن عقد الزواج مع تقدم البرهان على ضرورة ذلك ؟

  ثم أليس ذلك داعياً إلى القلق عند الإنسان المثار إن لم يكن مشجعاً على مخالفة الممنوع والوقوع في أضراره ؟ أليس  ستر مواضع الإثارة وقاية من القلق وما هو أكثر من القلق ؟ هذه الوقاية هي الحجاب وتقييد حرية المرأة بسببه كتقييد حرية التجول عند الأخطار ، وإن أدى ذلك إلى إخفاء الجمال فإخفاؤه أبعد عن القبح من تركه ضحية للذئاب المتخفين في ثياب بعض الرجال ؟ .

  أما قولكم لماذا يفرض الحجاب عليها دون الرجل مع أن كلا منهما يثير النظر إلى الآخر فهذا يتمشى مع تعاليم الإسلام التي تجعل الكسب للمعيشة واجباً على الطرف الأقوى في حياة الأسر وتعفي الطرف الأضعف وتجعل له حقاً في تأمين اللوازم على الطرف الأقوى وأكثر أعمال الرجال لا تتناسب مع الحجاب وهو ملزم بالخروج لأجله ولأجلها إلى العمل وهي ملزمة أصلاً .

  ومن جهة ثانية فإنها هي التي تتضرر عند وقوع علاقة محرمة عن طريق الخداع وهي الأضعف إن وقعت العلاقة بالإكراه فمصلحتها في الحجاب أكبر لأن تعرضها للضرر أكبر .

  أما الذين يزعمون أن لا فائدة في الحجاب لأنه لايصنع العفاف في حياة المرأة بل يمكنها أن يقيم علاقة مع الرجل ومن ورائه فهذا الاعتراض إنما يصح لو كان الإسلام  يعتمد عليه وحده في صيانة المرأة والواقع غير ذلك فقد تقدم أن الوعي بالمصلحة معتمد عليه قبلاً وأن الإيمان بالله معتمد عليه قبلاً وأن الحجاب عون على العفاف لا خالق للعفاف .

  وأخيراً نسأل أهل الإنصاف : أيهما الحضارة والرقي تعريض جمال المرأة للعدوان والتغرير أم ستره لصيانته وصيانة صاحبه ؟ .

  د – بقيت القضية الأخيرة من موضوع الشبهات وهي قضية التسهيل على الناس في فتوى الحجاب رغبة في حفظهم عن ترك الإسلام نهائياً إذا وجدوا صعوبة وتأخيراً عن اللحاق بالركب العالمي الذي يرون أنه الحضارة .

هذه القضية تحتاج إلى النظر في أمور عدة لعلها غابت عن نظر هؤلاء العلماء فدعتهم إلى هذا الموقف .

  1 – هناك خطوة أهم من الفتوى نفسها ينبغي أن تكون قبلها هي أن نبذل قصارى جهدنا في تصحيح معنى الحضارة وأن صون المصالح ودرء المفاسد هو الحضارة وأما إطلاق الإباحية والسباق الشهواني فليس حضارة وإنما هو حياة الغابات .

 

  2 – وهناك أمر آخر هو تغيير الأحكام بقصد تسهيلها ليس من صلاحيات العالم بل من صلاحيات واضع الشريعة وهو الله تعالى ، والتيسير الذي يريدونه يتحقق بحصول المصلحة من امتثال شرعه لا بالتهرب الذي يسهل على النفوس موافقة أهوائها ، والأمم التي يسرت على نفسها بالتهرب لم تلبث أن ألغت شريعتها كلها واكتفت بالاعتقاد كما هو حال النصارى .

 

  3 – وأمر آخر هو المنهج النبوي في الدعوة لم يسلك هذا الطريق بل سلك طريقا آخر مختلفاً هو أن يكون التبليغ تدريجياً عند بدايته كما جاء في حديث معاذ بن جبل عن مسلم برقم 19 إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم . . . الحديث .

 

 وأما الذي يعرف الأحكام فيقال له : افعل منها ما تفعل واعرف فيما لا تفعل أنك مخطئ في تركه لعله يأتيك يوم تفعله وذلك خير من أن تغير حكم الله أو تبحث عمن يغيره لك فذنب التغيير أعظم كثيراً من المعصية نفسها وأنت تجمع بينهما حينما تغير ثم تترك الأمر والنهي بناء على التغيير ، وكثيراً ما سمعنا من يفتي الناس ولا سيما المسلمين الجدد بأن حجاب المرأة ليس قضية مهمة في الإسلام .

 

  4 – حين تختلف أقوال الأئمة في حكم من الأحكام فليس من الأمانة أن تختار للناس أقرب الأقوال من موافقة مايشتهون أو موافقة الحضارة العلمانية وليس ذلك من النصح لهم والرحمة بهم بل ينبغي أن أختار منها الأقرب في تحصيل المصلحة في الدين والدنيا ، فإن لم يرض السائل اختيار العالم له فواجب العالم حينئذ أن يعرض عليه القولين وأن يبين له أيهما أضمن لمصلحته وأن يذكره بما هو خير له عند الله .

 

  ولنأخذ مثالاً على ذلك مما يتعلق بقضايا الاحتشام مسألة وجه المرأة أهو عورة أم لا ، وإذا لم يكن عورة أيجب ستره أم يستحب ؟

 

  نجد بعض أهل العلم يصر على أن يفتي الناس بأنه ليس عروة ولا يجب ستره ويبذل جهداً كبيراً في الرد على من يقول إنه عورة أو يقول بوجوب ستره زعماً أن هذا أيسر وأقرب إلى الحياة المعاصرة والحضارة ، لكن مراعاة المصلحة والنصيحة تقضي بما هو أعدل من هذا كثيراً : تقضي بأن نبين أن الستر مجمع على أنه مطلوب وجوباً أو مستحباً فهو أحب إلى الله وأقرب ، وأن المصلحة فيه أكثر من الكشف فهو أنفع وأبعد عن الضرر ومن أراد أن يأخذ بالكشف لم نلزمه بقولنا – إذا كنا ممن يختار وجوب الستر – ولا داعي لإثارة معركة حول القول الأقوى فهذه قضايا قد قتلت بحثاً والاجتهاد لاينقض الاجتهاد كما هو معلوم .

 

  رابعاً : وضع خطة لترسيخ الأمور الثلاثة السابقة (( إحياء مفاهيم الاحتشام ومقوماته ومبادئه في الإسلام ، وربط ذلك كله بالإيمان ، ودفع الشبهات عنه )) وضع هذه الخطة يأخذ أهمية كبرى في مشروع نظام الاحتشام لأنه هو الذي يحولها إلى حقيقة واقعة ، وذلك أن هذه الأركان تأخذ سبيلها إلى عقل الأمة وقلوبها ونفوسها من خلال الطرق الطبيعية إلى العقول والقلوب أعنى الجهات التي تؤثر في تربية الإنسان وأهمها الأسرة التي تتفهم ذلك وتعمل به وتثبته في أبنائها حتى يكتمل نموهم ويستقلوا بأنفسهم وهم يحملون ذلك ثم المدرسة التي تقررها في مناهجها وتغرسه في نفوس طلابها على مر السنين الدراسية ، وفي الوقت نفسه ثم مدى الحياة يكون دور المسجد وهو المصدر الأول لفكر الأمة ودينها وأخلاقها يقدم مفاهيم الاحتشام مكررة على الأمة من خلال الخطب والمواعظ والحلقات ومن خلال سلوكيات العلماء القائمين على المساجد .

 

  ولا تقل عما مضى أهمية وسائل الإعلام في التلفزيون والراديو والانترنت والصحافة فتكون هناك الندوات والبحوث والقصص وهذه الوسائل تتداخل مع الوسائل السابقة ، وربما كانت أشد تأثيراً لما لها من جاذبية خاصة - ولا سيما القصص فأساتذة التربية يقولون : (( إن أقرب السبل إلى الإقناع هو القصة )) حيث يحمل أشخاصها الأفكار وينطقون بها في مناسباتها التي يدقق الكاتب في إحكامها حتى تأخذ مكانها الراسخ في قناعة القارئ وعواطف قلبه وتندمج في عقله الباطن لتوجه السلوكيات فإذا مثلت تلك القصص أفلاماً تضاعف تأثيرها كما هو معلوم لكل مهتم بوسائل التثقيف متفهم لما يختص به كل منها من مؤثرات .

 

  خامساً : كف جميع التجاوزات التي تتعارض مع الاحتشام في التلفزيون وسائر أجهزة الإعلام مع كفها من الأماكن العامة وكل ما تقع عليه الأعين يشكل ضرورة قصوى لنجاح مشروع الاحتشام والتمكين له في المجتمع فالوقاية كما يقول الأطباء خير من العلاج ، وقد أصبحت الأفلام تنقض مفاهيم الاحتشام بل تنقض مبادئها وأساساتها من خلال الحدث والحوار لا سيما أن أكثريتها الساحقة مستوردة من أمم تعاكسنا في قضايا الاحتشام أو هي معدة من قبل جهات علمانية من أبناء جلدتنا تشارك تلك الأمم في مفاهيمها .

 

  وهذا البند أصبح اليوم مشكلاً جداً -  رغم أهميته الكبرى -  فالرقابة على التلفزيون والفيديو والانترنت والكمبيوتر لم تعد ذات جدوى كبيرة فلا يمكن أن تجني منها ثمرة كافية إلا بالتعاضد مع البنود الأخرى السابقة (( إحياء مفاهيم الاحتشام الإسلامية – وربطها بالإيمان ربطاً وثيقاً يجعل منها موجهاً للسلوكيات – ودفع الشبهات عنها ، وإنفاذ خطة محكمة لترسيخ ذلك كله عن طريق البيت والمدرسة والمسجد وأجهزة الإعلام )) بحيث يكون ذلك مجتمِعاً كافاً للناس عن الإعلام وما فيه من الأفكار المنافية للاحتشام قبل كف الأفلام والأفكار عن الناس وإن كان لابد من تعاضد الجانبين .

 

  سادساً : إظهار المحتشمين أهل القدوة الحسنة من العلماء وولاة الأمور ليتأسى الناس بهم ويتبعوهم – أساس مهم من الأساسات التي ترسخ للاحتشام في المجتمع ، وذلك لأن الناس يجلون هذين الصنفين من الناس ويجلون أعمالهم والإنسان يحب تقليد من يجلهم ويتحرى موافقتهم والتعرف على أحوالهم من أجل ذلك بل يعتقد أن الذين يحبونهم ويعظمونهم إنما يحبونهم لأعمالهم وأفكارهم ومظاهرهم فيتحرى موافقتهم ليبدو في أعين الناس محترماً مثلهم ، وقد نبه الله سبحانه على أهمية القدوة في السلوكيات بقوله سبحانه : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) ومن أجل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم برقم (1017) : (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير نقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) .

 

  وهذا يكشف عن أهمية القدوة في الخير والشر وعن تأثيرها الكبير ويدعو  إلى الاهتمام بها في مجال التربية وترسيخ المفاهيم والمبادئ في المجتمعات وبيان أجرها إن كانت حسنة وإثمها إن كانت سيئة حث للأخيار على أن يكونوا قدوة لغيرهم وتحذير للأشرار من أن يضيفوا إلى الشر الذي يفعلون شر اقتداء الناس بهم .

 

  سابعاً : تشجيع أهل الاحتشام وردع متجاوزيه وتخذيلهم عن ذلك أمران لهما أثر كبير في الترسيخ للاحتشام في المجتمع ، فمن واجب دعاة الاحتشام والقائمين على بسط ظله على المجتمع أن يعطوه حقه من الاهتمام .

 

  وأول ما ينبغي في هذا الباب التذكير بأجر الآخرة وعقاب الآخرة ثم تأتي بعده أبواب التشجيع الأخرى بتمييز أهل الاحتشام والمتفوقين منهم في المدارس ودوائر العلم وتكريمهم في كل مناسبة ، بل من المهم أن يكون ذلك عنصراً مقدماً من مؤهلات التوظيف والتعاقد والترفع في الدرجات ولا سيما الوظائف التربوية والدينية منها بوجه أخص ، وأن يضاف غلى ذلك شهادات تكريم وجوائز وبالمقابل يضاف عقوبات المتجاوزين – بعد نصحهم ومساعدتهم على الالتزام – ما يخذّلهم عن تجاوزهم بدفعهم عن مواقع الصدارة والتكريم .

وهذه البنود الأربعة الأخيرة (( وضع خطة الترسيخ – وكف أجهزة الإعلام التجاوز – وإظهار أهل القدوة الحسنة وتشجيع الملتزمين وردع المتجاوزين )) حقها أن تدرس بتوسع تحت محور آخر من محاور الندوة وهو المحور الخامس : (( دور المؤسسات المتخصصة في تطبيق الاحتشام ))

والله تعالى أعلم

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجميعن .