14 فبراير 2012

مفاتيح فهم الكلام العربي


مفاتيح

فهم الكلام العربي


بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أفصح إنسان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الذي أنزل الله عليه القرآن ووكل إليه التفسير والتبيان فقام بذلك أفضل القيام حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .

وبعد : فإن من أوضح الأمور في عقول كل الناس أن فهم الكلام في أي لغة لا يكون إلا بمعرفة اللغة التي كتب بها ولا يمكن تفهمه بإتقان إلا بإتقانها من جميع وجوهها ، ولكل لغة مفرداتها وقواعد تركيبها وكيفية نظمها التي تدل على مقاصد المتكلمين بها ، ولغتنا العربية مثلها في ذلك وإن امتازت بكثرة مفرداتها ونظام دلالة المفردات والتركيبات والجمل بخصوصيات كثيرة عليها الاعتماد في فهم الكلام العربي ولاسيما القرآن الكريم والسنة النبوية اللذين كانا هما الباعث الأعظم للعلماء على تدوين علوم العربية لأجل فهمها وتعقل ما جاء فيها كما قال سبحانه وتعالى : " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون " يوسف / 2 / .

وبسبب سعة هذه اللغة وكثرة أساليبها ووجوه دلالاتها جعل علماء العربية - بعد تأسسها ونموها - كل جانب منها علماً مستقلاً فعلم المعاجم ومعرفة دلالة المفردات وموادها والفروق بينها علم مستقل ، وعلم أوزانها وصيغها ودلالاتها علم مستقل ، وعلم تركيب المفردات في جمل علم مستقل ، واستعمال الكلمات والجمل فيما وضعت له أو في غير ما وضعت له مع معرفة طريقة الدلالة ودرجة الوضوح علم مستقل وهكذا .

ولكي لا يصد هذا التفصيل طالب العلم عن تعلم اللغة ، وضع العلماء في كل فن من هذه الفنون كتباً موجزة ومتوسطة ومطولة يختار الطالب منها المستوى الذي يريد أن يسير فيه فيقتصر على ما يحقق رغبته لكن إذا أراد المستوى الأعلى درس الموجزات ثم ترقى إلى المتوسطات ثم إلى الموسعات ، ومن أعرض عن هذا الطريق فاته فهم الكلام العربي على الوجه الصحيح ولا تغنيه معرفته للهجة المحلية التي تعودها في بلده فهذه اللهجات وإن كانت في أصولها عربية إلا أنها تغيرت وفاتها كثير من تفصيلات أصلها العربي الفصيح فأصبحت معرفتها لا تكفي لفتح طرق الفهم للكلام العربي الفصيح ولاسيما القرآن الكريم والسنة النبوية ، وإن كانت تفيد إلى حد ما في محادثة العرب بعضهم مع بعض عند اختلاف الأوطان .

وقد أهمل كثيرون تعلم هذه العلوم علوم العربية إلى أن صار الحديث عنها غريباً عليهم فضلاً عن معرفتها وفهمها وإدراك مقاصدها والاعتماد عليها في فهم الكلام ، فصار التعريف بهذه العلوم ومقاصدها وأهدافها ضرورة ملحة وواجباً لا غنى عن القيام به ، فعسى الله تعالى أن ييسر لي كتابة هذا الموجز التعريفي بفضله له الحمد وبه المستعان .

قد تقدم القول بأن كل ما كتب باللغة العربية فالعلم بها هو مفتاحه بلا ريب ، إلا أن العلم بهذه اللغة - لطول المراجعة والتعمق والتدقيق - قد تفرع على علوم كل منها يخدم جانباً ويفتح طواياه للدارسين وعلى مستويات متعددة بين الابتداء والتوسط والانتهاء ، وحين دخلنا زمن إهمال لغتنا كان الاقتصار على مستوى الابتداء هو أول المنحدر ثم صار الاقتصار على بعض علوم العربية دون بعض طريقاً إلى الانحدار الشديد ، وبذلك صرنا نقرأ كل ما يكتب بالعربية قراءة سطحية كقراءة المجلات والقصص ، وهو منهج لا يصلح لقراءة الكتب العلمية والأدبية لاسيما التراثية.

ولهذه كانت العودة الصحيحة هي أن نتعرف على هذه العلوم كلها وعلى فائدة كل منها وندرسها كلها دراسة جادة مهما اختلفت المستويات ، وإذا كانت لغتنا وعلومها قد ضعفت آثارها وثمراتها بسبب الإهمال فإن حماية اللغة العربية لا يمكن أن تكون بدون مقاومة الإهمال وبدون معرفة الفروع العلمية التي تتفرع إليها اللغة العربية ، وما الذي ينفعنا من كل فرع منها.

العلم الأول

علم مادة الكلمة وعلم المعاجم

وأول شيء يستدعي النظر - عندما يراد فهم الكلام - هو الكلمات المفردة لأن الجمل المفيدة تتكون منها ، والكلمات المفردة ينبغي أن ينظر القارئ إليها من جهتين : مادتها أولاً ووزنها ثانياً ، والمراد بالمادة : الحروف الأصلية التي تشتمل عليها الكلمة وهي ما نسميه المصدر كل الكلمات المشتقة منها ومعناها الذي تدور حوله كل الكلمات المشتقة منها فهذه الحروف :       ( ك ت ب ) مثلاً تدور كل الكلمات المشتقة منها حول معنى الكتابة أي ضم الحروف بعضها إلى بعض مثل ( كَتَبَ ، يَكْتُبُ ، اُكْتُبْ ، كاتَبَ ، يُكَاتِبُ ، اسْتكْتَبَ ، يَسْتكْتب ) ومن معانيها ضم الأشياء بعضها إلى بعض مثل : ( تَكَتَّبَ القوم ) أي تجمعوا ومنه ( الكتيبة ) وهي الجماعة من الجيش .

والنظر في معنى مادة الكلمة المفردة يكون عن طريق المعجمات قراءة أو حفظاً كما كان علماؤنا القدامى ، لتكون معرفة المعنى معرفة منضبطة تمنع الخلط بين المعاني المتقاربة والمتشابهة فالحمد والثناء مثلاَ كل منهما فيه الوصف بالصفات الجميلة فهما متقاربان لكن الثناء فيه معنى يزيد على الوصف بالجميل هو المدح وفي الحمد زيادة من جهة أخرى وهي تضمنه معنى الشكر ولكل منهما في الكلام موضع ، ولذلك ألف بعض علماء العربية كتباً في بيان الفروق بين معاني الكلمات ، ولم يريدوا بذلك استقصاء كل الفروق ، ولكن نبهوا على أشياء تعلم الدارس أن ينظر في أمثالها .

ومن دقيق هذه الدلالة أعني دلالة الكلمة بحسب مادتها دلالة كلمة " الصَمَد " فقد فسر بأنه هو الذي كمل في جميع معاني السؤدد كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الطبري.

وكذا كلمة " السبات " في قوله سبحانه وتعالى : " وجعلنا نومكم سباتاً " النبأ / 9 / أي قطعاً لأعمالكم والمراد راحة لأبدانكم كما في تفسير البغوي .

وقد يكون بين العلماء خلاف في معنى مادة الكلمة فيختلفون في الحكم الشرعي الذي دلت عليه كما اختلفوا في لفظ " السارق " هل يشمل من يفتح القبور لأخذ الأكفان ، وهل يسمى سارقاً فتقطع يده أو لا يشمله .

وكذلك اختلفوا في قوله تعالى : " وجعلنا سراجاً وهاجاً " فقال بعضهم يعني مضيئاً منيراً ، وقال مقاتل : جعل فيه نوراً وحرارة والوهج يجمع النور والحرارة كما في تفسير البغوي .

وفي العربية نجد استعمال الكلمة في المعنى وضده مثل كلمة  ( الجَوْنِ ) تأتي بمعنى الأبيض وبمعنى الأسود ، ويعرف المراد منها بواسطة السياق والقرائن ، وقد نبه العلماء إلى ذلك في كتب خاصة يسمى كل منها كتاب الأضداد .

وقد تستعمل الكلمة في معنيين مختلفين لكن لا تضاد بينهما كلفظ " العين " يأتي بمعنى العين الباصرة وبمعنى منبع الماء ، ويعرف أيهما المقصود بواسطة السياق والقرائن ، وهذا النوع من الألفاظ يسمى المشترك وقد اهتم به علماء أصول الفقه وخصصوا له مباحث في كتبهم لأهميته في فهم ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف ومن ذلك قوله تعالى : " يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " البقرة 228 لفظ القرء فسر بالحيض وفسر بالطهر من الحيض .

ومن أهم ما يتعلق بالفروق بين معاني الكلمات ما يكون الفرق فيه بين عموم وخصوص كالفرق بين العبادة والصلاة إذ كل صلاة عبادة وليست كل عبادة صلاة لأن الصوم والحج مثلاً كل منهما عبادة مع أنه ليس بصلاة ، وكذا يقال : كل صوم عبادة وليس كل عبادة صوماً ، فإذا نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوم أيام عيد الأضحى فلا يفهم من ذلك النهي عن الصلاة ، وقد اهتم علماء أصول الفقه بمسألة العموم والخصوص وجعلوا لها في كتبهم مباحث خاصة بل خصها بعضهم بكتاب مستقل ، وأصول الفقه علم جعل قواعد لفهم الأحكام من القرآن الكريم والسنة  .

ومن أهم جوانب هذا المبحث أن يعرف القارئ بواسطة الفرق بين العام والخاص أنه لا تناقض بينهما إذا جاءا في نصين متعارضين ظاهراً : كقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " أخرجه مسلم برقم / 394 / ، وقوله تعالى : " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا " الأعراف / 204 / فالأول عام في كل من صلى ، والثاني خاص بمن صلى مقتدياً بإمام فيستثنى الأول من الثاني ، وهذا وجه من وجوه فهم الحديث وهي قضية اختلف الفقهاء فيها وليس هنا مكانها إنما هذا تمثيل هنا ، وقد كتب بعض علمائنا كتباً جمعت قدراً لا بأس به من هذه الأبواب التي تقدم ذكرها من فروق وغيرها سموها كتب " فقه اللغة ".

وكل ما تقدم إنما هو أمثلة يسيرة من أهمية معرفة الدلالة المستفادة من مادة الكلمة عن طريق المعاجم اللغوية قبل النظر في الدلالة المستفادة من هيئة الكلمة أي من الوزن الصرفي فيها والفوارق الناتجة من ذلك .

العلم الثاني

صيغة الكلمة : " علم التصريف "

والعلم الذي تخصص ببيان المعاني المستفادة من هيئة الكلمة أي : " وزنها الصرفي " هو علم الصرف أو علم التصريف وكان يدرس مع علم النحو لقوة العلاقة بينهما في تركيب الجملة وعمل الفعل وشبهه وسائر المشتقات ذات الأثر في تركيب الجملة ثم استقل في كتب خاصة ليأخذ حقه من الدراسة والبحث بتوسع وتعمق وتخصيص ، وذكرت رؤوس مهماته بعض المعاجم اللغوية في مقدماتها كمختار الصحاح لقوة تعلقه ببيان معاني المفردات للكلمات بل لا يمكن أن يفهم المعنى الافرادي تاماً بدون هذا العلم .

وبيان ذلك يتضح من صيغ الأفعال وصيغ الأسماء فالمادة المكونة من ( ك ت ب ) على هذا الترتيب في الحروف تدل على الجمع والاجتماع وتختلف كل صيغة عن الأخرى بوزنها ودلالتها ، ففي صيغ الأفعال نقول : ( كَتَبَ ، يَكْتُبُ ، اكْتُبْ ) فتختلف الكلمات الثلاث من جهة الزمان والمعنى ، فالأول : إخبار عن حصول الكتابة في الزمن الماضي ، والثاني :  إخبار عن حصولها في الزمن الحاضر أو المستقبل ، أما الثالث : فيدل على طلب حصولها في المستقبل ، فاختلفت دلالة الصيغة الثالثة عما قبلها بزيادة هي ( الطلب ) وهذه الدلالة مطردة مستمرة في جميع كلمات الأفعال .

ثم هناك اختلاف المعنى بسبب الصياغة والوزن من جهة عدد حروف الفعل ، هل هو ثلاثي أو رباعي أو خماسي أو سداسي نحو : ( كَتَبَ ، كَاتَبَ ، تَكتّبَ، تَكاتَبَ ، اسْتَكْتَبَ ) ، ( فكتب ) وهو الفعل الأول يدل على فعل الكتابة من فاعله نحو : ( كتب الطالب ) ، و( كاتب ) يدل على اشترك الفاعل مع المفعول في الكتابة نحو : ( كاتب الرجل صديقه ) أي كتب كل واحد منهما إلى الآخر ، ويقرب منه ( تكاتب ) لكن هذا يدل على اشتراك الفاعل مع ما عطف عليه في الكتابة نحو : ( تكاتب الرجل وصديقه ) ويكون بواسطة ( مع ) نحو : ( تكاتب الرجل مع صديقه ) ، ويمكن أن يكون الفاعل اسماً دالاً على متعدد فيكون الاشتراك بين أفراده نحو : (تكاتب الرجلان ) أو ( تكاتب الرجال ) ، أما صيغة ( استكتب ) فتدل على أن الفاعل طلب من المفعول الكتابة في الماضي نحو : ( استكتبت زيداً ) أي طلبت منه الكتابة ، ويأتي بمعنى تصييره كاتباً له نحو : ( استكتبت زيداً ) بمعنى جعلته كاتباً لي ، أما فعل ( تَكَتَّب ) فهو دال عل أصل معنى الاجتماع لا على اجتماع الحروف خصوصاً فتقول : ( تكتب القوم ) أي تجمعوا.

وهذا الاختلاف في المعنى بين صيغة وأخرى موجود في الأسماء أيضاً ففي الاشتقاق من مادة ( ك ت ب ) الثلاثية نأخذ اسماً يدل بصيغته على الفاعل نحو : ( كاتِبٌ ) ، أو اسماً يدل على المفعول نحو : ( مكتوبٌ ) ، أو اسماً يدل على تكرر حصول الفعل من الشخص نحو : (كَتّاب) وتسمى هذه : " صيغة المبالغة " أي زيادة معنى الكتابة متكررة من الفاعل ، فإذا أردنا ثبوت هذه الصفة له وهي الكتابة قلنا ( كتوب ) لكن هذه الصيغة تدل في الأصل على التكرار مثل : (كتاب ) ويفهم معنى الثبوت منها بواسطة السياق ويظهر معنى الثبوت أكثر وأوضح في معان أخرى كصيغة ثابتة خصصت للثبوت مثل ( حَسَنٌ ) من الحسن في الخلق أو الخلقة أو على وزن ( فُعَال ) نحو : ( شُجاع ) وتسمى هذه " صيغة الصفة المشبهة " ، و " صيغة التفضيل " من الكتابة وغيرها ( أَفعَلُ ) نحو : ( زيد أَكْتَبُ من عمرو ) ، والصيغة الدالة على المكان من الثلاثي ( مَفعَل ) نحو : ( مَكتَب ) وتكون من بعض الثلاثي على وزن ( مَفْعِل ) نحو : (مدخِل) وهاتان الصيغتان أي ( مَفْعَل ومَفْعِل ) تدل كل منهما على الزمان كذلك ويعرف بواسطة السياق هل المراد بها الزمان أو المكان نحو : قوله تعالى : " حتى إذا بلغ مغرِب الشمس " الكهف / 86 / ويقال : ( فلان يعمل مصبحه وممساه ) أي يعمل في وقت صباحه وفي وقت مسائه، وصيغة المصدر هي التي تدل على معنى المادة دون أي زيادة وهذا هو معنى مادة الكلمة  مثل : (كتابة  و قراءة  و جلوس و قيام ) والمصادر منها القياسي مثل وزن (فِعالة ) كقراءة وكتابة وصرافة وجناية وأشباهها ، ومنها السماعية كل كلمة منها تحفظ بلا وزن مطرد يخصصها ولا يقاس عليها كلمات أخرى .

ولا بد من الانتباه إلى أمر مهم في فائدة علم الصرف وهي الاختصار فبدلاً من أن نقول : (فلان متكرر منه فعل الكتابة ) نقول ( فلان كَتّاب ) ، وبدلاً من أن نقول ( هذا مكان كتابة ) نقول (هذا مَكْتب ) ، وبدلاً من أن نقول ( فلان شجاعته صفة ثابتة له ) نقول ( فلان شُجاع ) ، وقد يستغرب الإنسان العربي هذا لأنه لا يسمع في لغته هذه العبارات المطولة ولكنه إذا نظر إلى لغات أخرى سيجد هذا التطويل أمراً طبيعياً معتاداً لا يستغربه أهل تلك اللغات ، فبعض اللغات حين استعمال الأفعال يؤتى فيها بلفظ المصدر مقروناً بكلمة أخرى تدل على الزمان ففي لغة الأكراد مثلاً ( خُداي قبول كِر ) و ( خُداي قبول بِكِي ) ، الأولى معناها ( الله يتقبل ) حين يقولها الإنسان لآخر عمل عملاً صالحاً ، والثانية معناها ( الله تقبل ) يعني تقبل الله عملك، جاء المصدر ( قبول ) وجاءت بعده علامة الحاضر أو الماضي ، بينما نقتصر في الكلام العربي على كلمة واحدة بوزن صرفي يدل على الماضي أو وزن يدل على الحاضر فنقول : ( تقبل الله ) يعني عملك أو نقول : ( يتقبل الله ) .

ولا بد للقارئ من أن يكون على علم موثق بهذا العلم حتى يدرك المعنى تاماً من الكلمة كما كان ذلك في دلالة المصدر على معنى المادة ، فإذا أخذنا مثلاً كلمتي ( كَاتِبٌ وكَتّابٌ ) عرفنا أن كلاً منهما تدل على فاعل الكتابة وفرقنا بينهما بأن الأولى يفهم منها أنه اتصف بفعل الكتابة إجمالاً وبأن الثانية تدل على أنه اتصف بتكرر فعل الكتابة فهذا الفرق وغيره مما يكون بين دلالة صيغ الأسماء أو بين صيغ الأفعال ينبغي أن يلاحظ في كل كلمة بالإضافة إلى معنى المادة حتى يدرك القارئ المعنى تماماً ، ومن هذا قال العلماء في تفسير قوله تعالى : " إن الله يحب التوابين " البقرة / 222 / إن الله يحب العبد الذي يتوب إليه من الذنب وإن تكرر منه الذنب ، لأن التواب هو من تكررت منه التوبة وذلك يكون عند تكرار الذنب ، والأمثلة من هذا النوع أكثر من أن تحصى .

وكذا يقال : إن لفظ " الصَمَد " صفة مشبهة مثل : ( حَسَن ) والصفة المشبهة تفيد الثبوت ، أي إن كونه سبحانه وتعالى ( صَمَداَ ) وصف ثابت له مستمر لا يتغير ، وهذه المعاني لا تدرك إلا بعلم الصرف ، ولو جمعت في كتاب لكان كتاباً كبيراً .

وينبغي للقارئ أيضاً أن يلاحظ الفرق بين صيغ الاسم وصيغ الفعل فحين نقول : ( زيد قائم ) لا يكون المعنى مثل : ( زيد يقوم ) وإن كان المعنى العام واحداً وكان الفرق دقيقاً وذلك لأن معنى (زيد قائم ) هو أنه متصف بالقيام دون بيان الزمان لكن يعرف الزمان من السياق فيقال مثلاً : ( زيد قائم الآن أو زيد قائم بالأمس أو زيد قائم غداً ) ، أما ( زيد يقوم ) فمعناه : أن فعله للقيام يحصل الآن بملاحظة الزمن فيه وملاحظة حركة القيام ، وهكذا هو الفرق بين الإخبار بالاسم والإخبار بالفعل دائماً لكل منهما خصوصية .

وهناك كلمات مفردة تخرج عن معناها الأصلي بواسطة السياق ، كما تستعمل كلمة ( أسد ) بمعنى الرجل الشجاع وهو ما يسمى مجازاً ويسميه منكرو المجاز اشتراكاً وكان يمكن ذكره هنا لتعلقه بدلالة المفردات لكن يأتي الحديث عنه في أهمية علم البلاغة في معرفة معاني الكلام وإنما يؤجل إلى هناك لأنه يقع في الكلمات المفردة كما تقدم في المثال السابق ويكون في الجمل كما يقال ( أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى) إذا كان يتردد في الرأي ولا يستقر عل رأي معين وذكر هذه الدلالة هنا يخالف ما اعتاد عليه الدارسون وذكره هناك أجمع وأهم وأكثر موافقة لما اعتاد عليه الدارسون في كتب البلاغة .

ومكان علم البلاغة في الترتيب الطبيعي بعد علم النحو ، لأن مسائل البلاغة إنما تظهر عند التركيب في جملة أو جمل والجمل إنما تركب بحسب قواعد النحو فالنحو لا بد أن يكون حديثه أسبق والحديث عن فائدته مقدم .

 

العلم الثالث

علم النحو وفوائده

أول ما ينبغي بيانه في الحديث عن أهمية النحو هو وجوب التخلص من الفكرة السائدة الخاطئة التي تنظر إلى النحو على أنه زينة لفظية لا على أنه دليل يأخذ بيد القارئ إلى فهم المعاني التي توجد عند تركيب الجملة ومجموع الجمل وهي معان لا تعرف بمعرفة الألفاظ المفردة ولكل فصل من فصول النحو طريقة تهدي إلى المعنى الذي يدل عليه .

ويتضح ذلك إن شاء الله تعالى بواسطة الأمثلة وأبسط هذه الأمثلة أن السامع يعرف من المقصود بالمخاطبة أهو ذكر أم أنثى حسب الحركة : ( أنتَ ذهبتَ ، أو أنتِ ذهبتِ ) ويظهر هذا الفرق بوضوح في مثال من القرآن الكريم وهو قول الله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم " الفاتحة / 6-7 / هو في الآية بفتح التاء من كلمة ( أنعمتَ ) أي يا رب اهدني إلى طريق الذين أنت أنعمت عليهم بالهداية ، والجاهل لا يرى فرقاً بين الفتحة والضمة والكسرة مع أنه فرق كبير جداً في المعنى ، لأن الذي يقول : ( أنعمتُ ) بضم التاء يكون المعنى في كلامه : يا رب اهدني إلى طريق الذين أنا أحسنت إليهم ، وهذا مخالف لمعنى الآية مخالفة تامة ، وإذا قرأ ( أنعمتِ ) بكسر التاء كان ذلك إساء عظيمة في حق الله تعالى لأنه خاطبه كما تخاطب الأنثى، والذي دل على اختلافِ المعنى بين الحالات الثلاث هو اختلاف الحركات ، فلينظر القارئ كم يقع الخطأ في هذا ، وكم هم الذين يجري على ألسنتهم وهم لا يشعرون أنه خطأ في أداء المعنى لا في اللفظ فقط ، وكل حركات الكلمات في الجمل كذلك حركات الإعراب أو حركات البناء .

وهذه أمثلة يسيرة ، وأهمية النحو أكثر من ذلك كثيراً فهو يدخل في كل جملة ويكشف عن المعنى الذي وجد بالتركيب بواسطة الحركات وما ينوب عنها كشفاً دقيقاً منضبطاً بطريقة موجزة .

وهذا أمر يتضح بالأمثلة أكثر ومن أظهر الأمثلة في ذلك قول الله تعالى : " إنما يَخشى اللهَ من عباده العلماءُ " فاطر / 28 / ومعنى الآية الكريمة أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء ، وهذا المعنى لا يظهر في الآية الكريمة إلا لمن يلاحظ الفتحة التي على آخر لفظ الجلالة ( اللهَ) ويلاحظ الضمة التي عل آخر لفظ ( العلماءُ ) ، لأن الضمة تدل على أن فاعل ( يخشى ) هو (العلماء ) والفتحة تدل على أن مفعول الخشية هو لفظ الجلالة كأنه قيل ( العلماء يخشون الله)، والجاهل بقواعد علم النحو لا ينتبه إلى ذلك ويتعجب من لفظ الآية كيف جاء على هذا الوجه لأنه يظن أن معنى الآية حسب لفظها هو أن الله تعالى يخشى من العلماء كما صرح بذلك بعض الجهلة الذين لا يعرفون النحو وقواعده .

وقد يخطر في بال بعض الناس الذين لا يعرفون الفروق بين أساليب اللغة العربية في الدلالة على المعنى فيقول : لماذا لم يقل ربنا ( إن العلماء يخشون الله ) ؟

وجواب ذلك : أن أسلوب الآية أريد به معنى آخر أقوى وأدق من هذه العبارة المقترحة إذ معنى الآية هو : ( أن العلماء هم وحدهم الذين يخشون الله سبحانه وتعالى الخشية التامة ) وليس هذا في العبارة المقترحة السابقة بل معناها هو مجرد الإخبار بأنهم يخشون الله سبحانه وتعالى .

وكذلك قوله تعالى : " وإذا ابتلى إبراهيمَ ربُه بكلمات فأتمهن " البقرة / 124 / ومعنى ابتلى اختبر فيظن من لا يعرف قواعد النحو أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي اختبر ربه بهذه الكلمات والمقصود في الآية الكريمة عكس ذلك أي إن الله تعالى هو الذي اختبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهذا المعنى يظهر بسهولة لمن يعرف قواعد النحو إذا لاحظنا أن الضمة فوق لفظ ( ربُه ) تعني أنه هو فاعل الاختبار ولاحظنا أن الفتحة فوق آخر لفظ ( إبراهيمَ ) تعني أنه هو الذي وقع عليه فعل الاختبار ، ومن تأمل هذا عرف أن علم النحو ضروري لفهم الكلام العربي ولا يمكن الاستغناء عنه إلا إذا استغنى الإنسان عن فهم ما يقرأ ويسمع فهماً صحيحاً منضبطاً تماماً ، لكن قد يخطر في بال بعضنا أن يقول : إنه يمكن أن نستغني عن هذه الحركات إذا جعلنا الفاعل دائماً بعد الفعل مباشرة وجعلنا المفعول به يأتي دائماً بعد الفاعل وهذا شيء يمكن تعلمه بسهولة فلماذا نتعب أنفسنا بتعقيدات نفرضها على أنفسنا عند الاعتماد على الحركات في فهم الجملة .

وجواب هذا الإشكال من جهتين ، الجهة الأولى : هي أن موقع الكلمة في الجملة له معنى آخر هو أن الجزء المقدم في الجملة له أهمية أكبر من الجزء المتأخر وتتنوع أسباب الأهمية تفصيلاً حسب المناسبة التي تقال فيها الجملة فإذا كان الشخص الذي نكلمه يعرف رجلاً معيناً وهو غائب في موضع خطر وهو ينتظر قدومه قلنا له عند الإخبار عن قدومه ( جاء خالد ) مثلاً ولا نقول له ( خالد جاء ) لأنه يعرف شخصه ولا يعرف هل قدم أم لم يقدم فهو متلهف على قدومه فيقدم لفظ ( جاء ) الدال على قدومه ، وتفصيلات الفائدة التي يفيدها موقع الكلمة في الجملة تدرس في علم البلاغة إن شاء الله تعالى .

ومن المواقع المهمة في التفريق بين معاني أجزاء الجملة بواسطة الحركات الموضع الذي يصلح أن يكون كل من الفاعل والمفعول به موضع الآخر في المعنى كقولنا ( أخذَ المالَ زيدٌ ) فإن المعنى الظاهر إذا لم نضع للجملة حركات أن زيداً هو الذي أخذ المال ، ولكن ربما قصد المتكلم أن يقول إن المال شغل زيداً شغلاً أنساه غيره فلا بد حينئذ أن يكون ضبط الجملة بضمة على آخر ( المالُ ) وفتحة على آخر ( زيدَ ) ليفهم بذلك هذا المعنى الذي هو خلاف المألوف الغالب .

وهذه المعاني يقال لها معاني التركيب أو دلالة التركيب ، والتركيب لا يصح أن يكون إلا على حسب قواعد النحو ، ولذلك يسمونها معاني النحو أيضاً .

ولكي يتضح المراد بدلالة التركيب ينبغي أن ينظر المرء في أوضح الجمل وأخصرها ثم يعلم أن ما فهم منها هو أمر مطرد في كل جملة فمن ذلك أنه إذا قلنا : ( أكرم الناس الرجل الصالح) فقولنا (أكرم ) دال على حصول الإكرام في الزمن الماضي وقولنا ( الناس ) دال على بني آدم أو على جماعة منهم والمستفاد من تركيبهما على هذا الوجه هو أن هذا الإكرام حصل من هؤلاء الناس وهو معنى ثالث غير موجود في ( أكرم ) وحدها ولا في الناس وحدها وكذا تركيب كلمة الرجل معها على هذا الوجه أفاد أن الإكرام الذي فعله الناس قد وقع على هذا الرجل وهو معنى حصل بواسطة التركيب ليس موجوداً في أي واحدة من الكلمات وحدها ثم استفيد من وصف الرجل بالصالح أن الذي وقع عليه الإكرام هو الموصوف بالصلاح وليس غيره فإثبات الصلاح للرجل حصل بواسطة تركيب لفظ الصالح في الجملة على هذا الوجه المعين وهو جعله صفة للمفعول به .

وكل جملة لا بد أن تدل على هذه المعاني التركيبية إذا ركبت الجملة على حسب ما توجبه قواعد علم النحو ، وكل باب من أبواب النحو يفيد عند التركيب معنى خاصاً لا يفيده غيره ، فلو قلنا في الجملة السابقة : ( أكرم الناس الرجل صالحاً ) لاختلف المعنى التركيبي مع أن العبارتين متقاربتان لأن الأخيرة تعني أنهم أكرموه حال اتصافه بهذه الصفة لا في حال اتصافه بغيرها ، والمعنى في الجملة التي قبلها أنهم أكرموا الرجل الصالح لا الرجل الفاسد لأن دلالة أسلوب الحال غير دلالة أسلوب الصفة .

ولا يمكن لإنسان أن يعرف المعاني التركيبية في كل جملة إلا إذا أتقن علم النحو ومارس تطبيقه بعد ملاحظته في كلام العلماء حينما يشرحون هذه المعاني ، وبذلك يكون قد نال القسم الثالث من المعاني التي يفهم بها الكلام العربي فصار عنده منها : معنى المادة ، ومعنى الصيغة ، ومعنى التركيب وبقي عليه القسم الرابع وهو معنى السياق الذي يدل عليه موقع الكلمة وسياقها كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بيان المقصود من علم البلاغة .

 

العلم الرابع

أهمية علم البلاغة

والعلاقة بين علم النحو وعلم البلاغة علاقة وثيقة في أعلى درجات التوثيق والنحو في الحقيقة هو القاعدة والأرضية التي يقوم عليها علم البلاغة إذ إن الفهم التام للكلام لابد أن يكون عن طريق معرفة كل أجزائه التي يتركب منها بدءاً من معرفة الكلمة المفردة عن طريق معرفة مادتها ، ومعرفة معنى الصيغة أي الوزن الصرفي الذي بنيت عليه ، فإذا عرفنا معنى الكلمة المفردة نظرنا في المعنى التركيبي وهو المعنى الذي نشأ من تركيب الجملة حسب قواعد النحو، ثم بعد معرفة ذلك كله نتعرف على معنى الجملة كلها عند وضعها في سياق معين ، وهذا الأخير هو الذي نعرفه عن طريق علم البلاغة ، فالجملة الفعلية مثلاً يفهم منها نسبة الفعل إلى الفاعل أي أنه ( قام بالفعل أو قام الفعل به ) كما ذكروا في تعريف الفاعل فقولنا مثلاً : (قام الرجل ) فائدته الأساسية هي الإخبار بمضمون الجملة وهو أن القيام حصل في الزمن الماضي بفعل هذا الرجل ، فكلمة قام تدل على حصول القيام في الزمن الماضي ، والرجل يدل على الإنسان الذكر البالغ ، وجعله فاعلاً يفهم منه أنه هو الذي قام بهذا الفعل ، وهذا المعنى غير موجود في قام ولا في الرجل وإنما دل عليه إسناد الفعل إلى الرجل وهو أمر يفهم من كل جملة فعلية ، ثم بواسطة السياق يفهم أن هذا المعنى هو المقصود فقط وقد تفهم معانٍ أخرى من هذا الخبر تسمى لازم مضمون الخبر أو لازم فائدة الخبر فإذا قلنا : ( صدق الرجل ) فهمنا من إسناد الفعل إليه معنى هو حصول الصدق منه ثم بواسطة السياق قد نفهم معنى آخر ملازماً للأول وهو إرادة المدح في سياق معين وإذا قلنا ( كذب الرجل ) فنفهم من هذا الخبر حصول فعل الكذب منه ثم بواسطة السياق قد نفهم منه معنى آخر يلازمه هو ذم الرجل .

وكذلك إذا قلنا ( كأن زيداً أسدٌ ) أو ( كأن بشراً ذئب ) أفادت الجملة الأولى تشبيه زيد بالأسد ، والثانية تشبيه ( بشر ) بالذئب ، وكلاهما عرف عن طريق التركيب لكن قد يراد من الجملة الأولى مدح زيد بهذه المشابهة ، ومن الثانية ذم بشر بهذه المشابهة حسب ما يعطيه سياق الجملتين ، وهذه المعاني السياقية هي التي يدور حولها وفي مضمونها علم البلاغة ، أما المعاني الأولى فتذكر فيه كأساس للثانية ومنها دلالات موقع الكلمة في الجملة من تقديم وتأخير ضمن التركيب ، والدلالة الأصلية الأساسية لموقع الكلمة في الجملة هي أن المقدم أكبر أهمية من المؤخر وتفصيلات الأهمية تفهم من خلال السياق في كل موقع كما تقدم ذكر هذا ، فنقول لمن يخشى وقوع العقاب من أميره :  " عفى عنك الأمير "  للإسراع بالبشارة ولا نقول له  : " إن الأمير قد عفى عنك " فربما ظن عند ذكر الأمير أولاً أنه سيعاقبه .

ففي تقديم الفاعل على فعله يتغير إعرابه لفظاً فيكون مبتدأ كقولنا : ( الرجل جاء ) لكنه يبقى من حيث المعنى فاعلاً ويقال له فاعل مقدم ويقال إنه مقدم لأن معرفته في هذا الموضع أهم من معرفة الفعل هذا من حيث الإجمال ، أما التفصيل فيقال إن تقديمه مراد به زيادة على أهميته هو تأكيد وقوع الفعل منه لأنه يسند الفعل إلى ضميره ثم تسند الجملة كلها إليه ويراد من تقديمه أيضاً لفت الانتباه إليه إذ يكون أول لفظ من الجملة يقع في سمع المخاطب .

وقد تكون فائدة التقديم حصر الفعل في الفاعل المقدم كقولنا : ( ما زيد قام ) أو ( أزيد قام ) أي خصص نفي القيام بزيد وأريد الاستفهام عن القيام من زيد خاصة .

ويظهر هذا في تقديم المفعول حين يتقدم على الفعل كقولنا : ( ما زيداً ضربت ) وقولنا ( أزيداً ضربتَ ) ولذلك يقولون في جوابه : ما زيداً ضربت لكن عمرواً في هذين الموضعين لأن السؤال كان عمن وقع عليه الفعل ،  وكذلك نقول أيضاً ( راكباً جاء زيد ) لبيان أن الحال هي الجزء الأهم أو المعنى الأهم في هذه الجملة مع إفادة الحصر أيضاً أي جاء في حالة ركوبه لا في حالة مشيه ونحو ذلك .

وبهذا يتضح ما تقدم من أنه لا يجوز في اللغة العربية الاعتماد على معرفة الفاعل والمفعول من طريق موقع الكلمة كما في الإنكليزية لأن لموقع الكلمة في الجملة العربية معنى آخر يتأدى به ويفهم منه وليس الأمر كذلك في الإنجليزية .

ثم المعاني التي تفهم من السياق كثيرة ذكرت كتب البلاغة أكثرها تنبيهاً على الباقي ومن ذلك المجاز والكناية والتعريض سواء كانت هذه الأشياء في المفرد أو في التركيب .

فإذا سمعنا خطيباً يتكلم بجرأة وقلنا : ( سمعت أسداً يتحدث ) فهم منه أن كلمة أسد مراد بها الرجل الشجاع في قوله ، وكلمة أسد قبل أن توضع في الجملة وتساق هذا المساق لا يمكن أن يفهم منها معنى الرجل الشجاع تحديداً ولا معنى الأسد الحيوان تحديداً بل لا بد من وضعها في سياق يدل على أنه المراد باللفظ ولو وضعتها في سياق آخر كأن تقول : ( الأسد أكثر الحيوان افتراساً ) لما فهم منها إلا الحيوان المعهود وهو معناها الأصلي .

وخلاصة القول في دور علم البلاغة في فهم القارئ للكلام هو أنه ينظر في معنى الكلمة " مادة وصيغة " وفي المعاني التركيبية أي التي تنشأ من تركيب الكلام حسب قواعد النحو وينظر في سياق الكلمة والتركيب ثم ينظر في المعنى الذي تركب من ذلك كله ، ويفسر معناه كله من جميع جوانبه ملاحظاً دلالة كل جزء وكل تركيب ضمن الإطار العام وهو النظم ، هذا إذا كان هو القارئ فإن كان هو المتكلم وضع كل جزء وكل تركيب في الإطار العام وهو النظم لتتكون الصورة التي يريد أن ينقلها إلى من يخاطبه .

ولقوة الترابط بين النحو والبلاغة رتبت أبواب البلاغة ترتيبات تشبه ترتيب أبواب النحو لكن باصطلاحات أخرى ، وتناول علماء البلاغة الجملة ومجموع الجمل من وجوه متعددة .

وقد بدؤوا بالجملة وأجزائها فذكروا أحوال الجملة الخبرية عند مخاطبة الآخرين بها وأنها تقصد لأمرين إما الإعلام بمضمونها كقولك ( زيد قائم ) لمن لا يعلم ذلك وإما الإعلام بمعنى يلازم هذا المعنى ولا ينفك عنه وهو إشعار المخاطب أن المتكلم يعلم مضمون الخبر كعلمه في المثال السابق بقيام زيد والمعاني التي هي من لوازم مضمون الجملة متعددة متنوعة فمن لوازم التبشير وهو قصد إدخال السرور إلى قلب المخاطب كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بدر : " إن الله وعدني إحدى الطائفتين " سيرة ابن هشام 2/615 ط مصطفى الحلبي بالقاهرة  يعني النصر في المعركة على جيش الكفار أو غنيمة القافلة ، ومنها طمأنة الحزين أو الخائف من أمر كقوله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : " والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى " الضحى / 1-2-3 / لأنه كان حزيناً خائفاً أن يهجره ربه ويقطع عنه الرسالة  .

ثم كل واحد من هذين المقصودين أي الإعلام بفائدة الخبر أو المعنى الملازم لها يذكر بلا تأكيد حين يخاطب به خالي الذهن الذي ليس عنده أي فكرة عنه ويؤكد مرة واحدة حين يخاطب به من يعرفه معرفة فيها تردد ويؤكد أكثر من ذلك حين يخاطب به من ينكره ،فيقال مثلاً لمن لا يعلم شيئاً عن نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : ( بعث الله محمداً نبياً ) دون تأكيد فإن كان سائلاً عن ذلك قيل له : ( إن الله بعث محمداً نبياً ) بتأكيد واحد فإن كان منكر نبوته قيل له: ( والله  إن الله بعث محمداً نبياً ) صلى الله عليه وسلم وهذا من حيث الإخبار وقوته وإن كان مثل هذا الأمر يحتاج من جهة أخرى إلى الدليل المقنع والبرهان القاطع .

وأما دلالة الخبر - إذا خرجت عن ذلك - فهي تدخل في بحث الدلالات السياقية من مجاز وكناية وتعريض وهذه الثلاثة تذكر في علم البيان من أقسام علم البلاغة كما تقدم في قولنا : (أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ) ، ونحو قول العرب : ( فلان كثير الرماد ) يعنون تمام كرمه لأنه يكثر شواء اللحم للضيوف فيكثر عنده الرماد ، ودلالة هذه الجملة دلالة بطريق الكناية لأن كثرة الرماد شيء واقع وهو مراد من الخير لكن لأجل الدلالة على الكرم لا لمجرد الإخبار بكثرة الرماد .

وأما جملة ( أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ) فحركة الأقدام غير موجودة في الواقع وغير مقصود الإخبار بها ولذلك يسمي العلماء هذه الدلالة مجازاً .

وبحثوا - بعد بحث المقصود من ذكر الخبر - تركيب الجملة وأجزاء الجملة فبدؤوا بالإسناد نفسه لأنه الرابط بين المفردات من بحثوه من جهة كونه حقيقة أو مجازاً .

فقوله سبحانه وتعالى : " لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير " آل عمران / 181 / أسند إليهم فعل الكفر إسناداً حقيقياً بمعنى أنهم هم الذين فعلوه ، وقوله سبحانه وتعالى " فلم تقتلون أنبياء الله " البقرة / 91 / أسند القتل إلى المخاطبين من اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الذين فعلوا القتل هم آباؤهم لكن أسند إلى المخاطبين لأنهم وافقوا آباءهم على ذلك ورضوا به فيكون إسناد القتل إليهم إسناداً مجازياً فالمجاز هنا ليس في القتل لأنه حصل في الواقع ولا في فاعله وهو المخاطبون وإنما هو في إسناد الفعل إليهم فحصول القتل منهم مجاز لا حقيقة أريد به بيان إغراقهم في الموافقة على الجريمة والرضا بها حتى كأنهم هم الذين فعلوها ، وأمثلة ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية وكلام الشعراء وغيرهم أكثر من أن تحصى ، وليس هذا المعنى هو المعنى النحوي بل هو ناشئ عنه بواسطة السياق وإنما المعنى النحوي هو مجرد وقوع فعل القتل من فاعله . 

ثم بحث علماء البلاغة هذا الأمر نفسه - أي أحوال الجملة الخبرية في ركني الجملة المسند ، والمسند إليه ويعنون بالمسند الفعل والخبر وبالمسند إليه الفاعل والمبتدأ - وذكروا ما يعرض لكل منهما وبدؤوا بالمسند إليه أولاً - وقد سبق أن المسند إليه هو الفاعل والمبتدأ - وبينوا أحواله من تنكير وتعريف ثم نوع التعريف أهو بالعلمية أو الإشارة أو الضمير إلى آخر المعارف السبعة ، وبينوا المعاني التي يفيدها كل منها حسب اختلاف موقعه في السياق .

فمن ذلك أن اسم الإشارة موضوع في أصله ليدل على شيء حاضر يشار إليه ، وينشأ عن ذلك معان منوعة حسب تنوع السياق فقوله سبحانه وتعالى : " هذا خلق الله " لقمان / 11 / جاء اسم الإشارة ليدل على أن ما في هذا الخلق من عجيب الحكمة والإحكام شيء واضح تشاهده عيون المخاطبين كالشيء المشار إليه ، ولذلك جاء بعده قوله سبحانه وتعالى " فأروني ماذا خلق الذين من دونه " لقمان / 11 / إيماءً إلى استحالة أن يخلقوا شيئاً يشبه هذا الذي يرونه .

ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى " هذا ما كنزتم لأنفسكم " التوبة / 35 / فقد أريد باسم الإشارة تشخيص ضرر بخلهم في إنفاق الذهب والفضة في الدنيا كأنه مشهود منظور .

ومنه أيضاً قوله سبحانه وتعالى " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " الأنعام / 53 / ، أراد قائلوا ذلك - وهم كافرون - أن الداخلين في الإسلام من الفقراء والضعفاء لا يمكن أن يختارهم الله تعالى ليمن عليهم برضوانه وبدخول الجنة ، فعند هؤلاء الكافرين اعتقاد أن اختيار الله ينال السادة الأغنياء قبل الفقراء فأشاروا بقولهم " أهؤلاء " إلى ما يبدو على أولئك المؤمنين من مظاهر الفقر المحتقرة في نظرهم وإلى أن هذه المظاهر يستحيل أن تكون محل الاختيار الإلهي .

وهكذا تناول علماء البلاغة أبواب النحو باباً باباً وفصلاً فصلاً ، وبينوا ما ينشأ عن معاني النحو من معان تظهر بواسطة التركيب في سياق معين ولا يمكن لإنسان أن يفهم جملة من جمل الكلام العربي فهماً مستقيماً تاماً إلا بمعرفة هذا العلم أي علم البلاغة مع ما تقدم من معرفة مادة الكلمة أي معنى المصدر ، ومعرفة ما تدل عليه صيغة الكلمة ومعرفة المعاني التي توجد عند تركيب الجملة حسب قواعد النحو .

وذلك لأن المتكلم أو الكاتب أو الشاعر حين يريد التعبير عن معنى ما يختار اللفظ الأنسب له "مادة وصيغة " ، ويختار الأسلوب النحوي الذي يؤدي المعنى التركيبي الأنسب له ثم يختار نظم الكلام في سياق معين يكون ناطقاً بغرضه من كلامه ، وحين يريد السامع فهم مراد المتكلم من كلامه لابد أن ينظر في كيفية تعبيره عن المعنى الذي أراده متبعاً التفصيلات التي سار عليها المتكلم مرحلة مرحلة وبدون ذلك لا يمكنه فهم مراد المتكلم فهماً سديداً تاماً وهذا ظاهر لكل من يتأمل الأمثلة السابقة .

وقد يظن بعض الناس أنه يمكنه أن يفهم الكلام العربي بدون هذه الشروط والتفصيلات بدليل أنه يقرأ قراءة ثقافية واسعة دون أن يعرف هذه العلوم : علم المفردات المعجمية ، وعلم تصريف الكلمات ، وعلم النحو وعلم البلاغة ، وهذا كلام يقوله ناس كثيرون .

والذي يوقع أولئك الناس في هذا الخطأ الفادح أن لغتنا اليومية في قطر ما أو بلد ما هي في أصلها لغة عربية وأن كثيراً من كلماتها وأساليبها هي في الأصل من اللغة العربية وهو يفهم ما يسمعه ويقرؤه من الكلام العربي فهماً إجمالياً ناقصاً فيظن أنه فهمه تمام الفهم أما الواقع فليس كذلك ، وبهذا السبب تختلف نتائج القراءة وثمراتها باختلاف القراء ، كما يكون الفرق واضحاً جلياً بين قراءة العلماء للكلام وقراءة الجهال ، أو قراءة أنصاف المتعلمين ومن أجل ذلك اشترط علماء الشريعة الإسلامية فيمن يريد التفقه في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون متقناً لعلوم اللغة العربية متدرباً عليها حتى يستطيع فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه الصحيح وتنبيهاً لنا على ذلك أنزل الله سبحانه وتعالى قوله : " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون " يوسف / 2 / أي جعلناه بلغتكم التي تعرفونها لكي تعقلوه .