04
ابريل 2010
سيدنا محمد ومعجزات الخلق العظيم
سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم
و
معجزات الخلق العظيم
التحميــــــــــــــــل
مقدمة
القرآن كتاب الله الأعظم نموذج المثل العليا التي فاضت من أنوار السماء على أهل الأرض فما صدحت بها حنجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسمعها أولو الألباب حتى أدركوا بيقين باهر وعلم قاهر أنها كلمة الله وأنها معجزة خالدة تفوق كل المعجزات.
هذه المعجزة ازدادت جلاء وجذبت إليها قلوب ذوي الألباب أكثر ،حين رأوها شمائل ظاهرة في طلعة مبلغها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعايشوها معاملة سامية في حياته يوماٌ بيوم. وكما تحدث الناس عن إعجاز القرآن فما انتهى حديثهم ولا ينتهي ,كذلك كانت شخصية مبلغه صلى الله عليه وسلم وشمائله معجزة يتحدث الناس عنها فلا ينتهي الحديث ويبقى هذان الينبوعان يتدفقان على مر الأيام ويتجدد فيضهما على توالي العصور يتحدث كل ويكتب حسب ما رأى وأبصر بعقله وبقلبه وهما كما هما يحيطان ولا يحاط بهما والحديث عنهما لا يخلق على كثرة الرد.
كثر الحديث عن معاني القرآن وأسرار القرآن وما فيهما من معجزات ، وكثر الحديث عن الشمائل المحمدية وفضائلها السامية وقل الحديث عن معجزات هذه الشمائل إلا عند عشاق المصطفى المستهامين وورثته الكاملين الذين هم مرآته الصافية وقليل ما هم.
هل أقول إن هذه الرسالة التي أقدمها في هذه الصفحات قطرة من فيضهم ؟ أستحي من ذلك , لكن أقول : هذه رؤيتي وبمقداري بعدما رأيتهم وسمعتهم وبمقداري؛ أعني بعدما رأيتك يا سيدي محمد النبهان .
ومعذرة إلى سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذي الخلق العظيم صاحب معجزات الخلق العظيم فهذا الذي كتبت جهد المقل .
وصلى الله عليك يا مولانا يا حبيب الله وعلى آلك
معجزات الخلق العظيم
الشمائل السامية تجتذب بجمالها وكمالها القلوب، فتتعلق بصاحبها، وتفديه بالأرواح، هذا أمر مألوف، غير مستنكر ولا مستبعد، ولكن أن يزاحم السمو الخلقي المعجزة، فيفعل فعلها في العقول، فهذا ربما يكون مستبعداً أو غير مألوف، وربما لقي إنكاراً عند بعض الناس
غير أن سمو الأخلاق المحمدية حين يتأمله الإنسان يجد أنه يفعل في العقل فعل المعجزة ـ التي تميز بين الحق والباطل وتثبت أن صاحبها يؤيده الله ويصنعه على عينه ـ وإلا فكيف يستطيع الإنسان ـ حين يسمع عن بقاء ودائع المشركين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم هجرته ـ أن يتصور امرءاً يضع الأمانات عند خصمه، وهو يكيد لهذا الخصم، ويجتهد في أذاه، ويحاول أن يسفك دمه؟! هل يمكن ذلك لولا أن تجارب أولئك مع أمانته قد كثرت وتطاولت في أحوال كثيرة، كلها تؤكد لهم أن الأمانة عند سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أمرٌ لا تحوم حوله شبهة، ولا تضطرب القلوب به أي اضطراب؟!
إذن فكيف لم يؤمن به هؤلاء الأعداء، وهم على يقين من أمانته يبلغ حد الأحكام العقلية، التي لا تقبل النقض؟! الجواب عند رجل عُتلٍّ من هؤلاء هو أبو جهل؛ إذ يلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الأخنس بن شريق الثقفي، فيدعوهما إلى الإسلام، فيقول أبو جهل: إليك عني، فوالله لو أعلم أنك نبي لاتبعتك، فينصرف عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لا يلبث أبو جهل أن يكذب نفسه بعد انصراف النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول للأخنس: والله إني لأعلم أنه صادق، ولكن تبادرنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: قاتلوا فقاتلنا، وأطعموا فأطعمنا، فلما تحاذينا وتساوت الركب، قالوا: منا نبي، فمن أين نأتيهم بنبي؟ والله لا نؤمن لنبي من بني عبد مناف أبداً.
وفي هذا الخبر يظهر جانب آخر من السمو الخلقي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقابل اللؤم القبيح المتبجح بيمين كاذبة على دعوى فاسدة، تقابل المنطق وحسن الخلق بالجواب السيئ إذ لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا السكوت والانصراف، مع القدرة التامة على الإجابة الرادعة لو شاء.
إنه سمو خلقي ربما يظن الإنسان أن له شبيهاً فيما اعتاده الكرام من الإعراض عن اللئام وبذاءتهم؛ إذ يقول قائلهم:
ولقد أمر على اللئيم يسبني فأمر ثمة قلت لا يعنيني
ولكن التأمل في هذا الشعر يكشف عن شيء من الترفع عن مقابلة السيئة بالسيئة ازدراء وتحقيراً، فاللئيم عند العرب من ينكر على محسوديه الجميل، ويكفر الإحسان، ويقابله بسوء القول والفعل ـ صراحة إن قدر، وهمزاً إن عجز ـ لا لشيء إلا لأنه قاصر ـ بخبث طواياه ـ عن أن يسلك سبيلهم في المكارم، ولأنه لا يجد القدرة إلا على البذاءة فلعل انتقاصهم يخيل للآخرين أنه فوقهم، فهو يجتهد في طمس محاسنهم وتقليل مآثرهم، وهم يرون الانشغال بالرد عليه نقيصة لأقدارهم، وهذا التحقير لا يجد المتأمل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً منه، بل يجد العفو الكريم، والدعاء الرحيم، فاللؤم مرض وبيل، والمرضى يحتاجون الدعاء، ويحتاجون العلاج بالشدة حيناً، وبمعاودة الإحسان حيناً، حتى يغسل قلوبهم من العتو بشدته، ومن الحسد والنكران برحمته، فتصحو قلوبهم، وتميل إلى الإقرار بالحق والاعتراف بالفضل، كما فعل صلى الله عليه وسلم بصناديد قريش وغيرها يوم حنين، أعطى كل واحد منهم مئة بعير وهي عطية تجعله أميراً، لو كان عائلاً فقيراً، وأعطى أحدهم ملء واد من الغنم، فقال ـ وكأنه يتحدث بلسانهم جميعاً ـ: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، والله! ما جادت بهذا العطاءإلا نفس نبي، لقد أثمر فيه السمو الأخلاقي المعجز، وفعل في عقله ونفسه فعل المعجزة، التي تبهر العقول والقلوب بما فيها من بينات الهدى والفرقان، فتقبل على دعوة الحق بإنصاف وصدق، حين ترى من الخلق العظيم ما يفرق بين عطاء الناس ـ مهما جادوا ـ وبين عطاء الأنبياء.
ومن قبله كان من أبي سفيان مثلها ـ يوم فتح مكة ـ حينما لقي جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم تغرق من حوله السهل والجبل، وهو فريد أعزل، ولم يجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حلم السمو الخلقي المعجز؛ إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل حلم ورفق وحرص على الإنقاذ من النار ـ وهو أقدر ما يكون على الثأر لتاريخ طويل من الأذى والحرب الضروس ـ : أبا سفيان ـ والعرب تكني الرجل تكريماً ـ أما آن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ فانكشفت بمعجزة الحلم والرفق والإحسان كل غواشي الباطل، وقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأوصلك وأكرمك، لقد علمت أنه لو كان مع الله آلهة أخرى لنصرتني عليك، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبا سفيان! أما آن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه ففي النفس منها شيء.
لقد جرأته سعة الخلق على التصريح بما يشوش عقله من الحسد، وكان جديراً عند أي منتصر آخر ـ مهما كان حليماً ـ أن يقطع جداله بقطع رأسه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصمت ويدع لعمه العباس ـ صديق أبي سفيان الحميم ـ أن يذكره بأنه أسير يسيء فهم هذا الحلم الواسع الكريم، ويقابل صريح الحق بوساوس الشك في موقف لا يعصمه فيه من سيف الأصحاب إلا رعايتهم لوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له العباس: أسلم قبل أن يسقط رأسك عن كاهلك. فزايله الغرور، وقال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
ويبلغ السمو الخلقي المعجز عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذروة لا تبلغها مدارك البشر، ويعجب لها أعظم الملائكة المفطورين على كل خير، حين يجدون شدة الأذى تنهال عليه صلى الله عليه وسلم يوم الطائف، حتى ترق له قلوب الأعداء، يوقن أملاك السماء أن القوم بلغوا من السوء درجة لا يرجى بعدها منهم خير، ولا ينبغي لهم إلا أن تنطبق عليهم الجبال، يجيئه جبريل ومعه ملك الجبال يقول: ”يا محمد! إن الله أمرني أن أطيعك فيهم“ فيقول برحمة تسعهم رجاء إنقاذ ذرياتهم: لا يا أخي يا جبريل، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله.
ويعبر جبريل ـ عليه السلام ـ عن دهشته بقوله: صدق من سماك الرؤوف الرحيم. وكان ما يحب ويرجو صلى الله عليه وسلم : جاء يوم وحد الله فيه أهل الطائف، وأخرج الله من أصلابهم من يوحد الله.
ويتساءل الإنسان ـ إذ يرى تلك الآثار العظيمة لسمو الأخلاق النبوية في أهل الغرور والجحود ـ يتساءل عن آثارها في ذوي الأخلاق السامية والعقول الراقية والقلوب الواقية، وجواب هذا عند أبي بكر الصديق الذي شهد سمعه وبصره وعقله وقلبه وإحساسه كل ذلك السمو الخلقي الممتد في حنايا ثلاثين عاماً قبل النبوة، كان أثرها أن يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام على الفور، دون تردد، ولا حاجة إلى تريث وإعمال نظر: أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله. لقد كان صدق النبي صلى الله عليه وسلم عنده أمراً يملأ العقل والقلب والروح والشعور، فكان جوابه صدى ذلك.
وجواب آخر عند أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، بل هي تصرح بأن ذلك السمو الخلقي برهان اختيار الله واصطفائه وحفظه من الشياطين فتقول له ـ وقد أخبرها عند ابتداء الوحي أنه يخشى على نفسه أن تكون الشياطين جاءته تريده كاهناً ـ : ”كلا والله! ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق“ ما أحكم هذا البرهان وأصدقه!! فالله الذي أمر بمحاسن الأخلاق، وأحبها، وأحب أهلها، لا يمكن أن يخزي أسمى الناس خلقاً، بأن يتركه للشياطين، توحي إليه زخرف القول غروراً {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ}وشتان شتان بين هؤلاء وبين من يقول له ربه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} صلى الله عليه وآله وسلم.
ويبلغ هذا السمو الخلقي أوجه حين لا تحجبه عن الناس برازخ الموت، بل يذكرهم به أن له ورثة رباهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، يتألق في وجههم خلقه، وتنطق به ألسنتهم، يلقون به الأشرار واللئام، فيقتلون حسدهم وأحقادهم بالإحسان، ويطمسون بصبرهم ورفقهم نوازع الحسد والنكران وبذاءة اللسان، وينقذونهم برحمتهم من براثن الشيطان، ويرفعونهم إلى آفاق الإيمان، ومراقي الخلق الكريم، إلا أن يكون اللئام من ورثة أبي جهل ـ الذين يرون الأخيار وأعمالهم بعيون الحسد والبغي، فينتقصونهم وينتقصونها، بل يختلقون لهم سيء الصفات بالاتهامات، ولا يرجعون عن اللؤم أبداً ـ فيكون مصيرهم مصير اللؤماء ، مصير أبي جهل:
اصبر علـى مضض الحسود فإن صـبـرك قـاتله
النــار تــأكل بعضـهــا إن لم تجد مـا تـأكله
وأما الأخيار ذوو القلوب الصافية والعقول الراقية فحظهم من ورثة المصطفى صلى الله عليه وسلم كحظ أصحابه منه، يراه الناس في كمالاتهم يفيض على قلوبهم وعقولهم وأرواحهم كل فضيلة، ويتذكرون بهم فتخلد بهم صورة المثل الإنساني الأعلى، سيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم
يحيى الرجال بها وفي جبهاتهم مرآتها من يلقهم يتعشق
نبوة فوق كل الشبهات
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أطهر من ماء الغمام وأنقى ، أبهى من شمس الضحى وأرقى ، أبعد عن كل ريبة ، شهادة لم يتفرد بها المحبون والأصدقاء بل شارك فيها العدو من الأقرباء والمنصف من البعداء .
ومن شاء البينة فليستمع إلى حديث هرقل المنصف البعيد يستخرج دلائل الحق من فم أبي سفيان ذلك الخصم القريب حين جاء إلى هرقل وهو بمدينة القدس كتاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فطلب من خاصته أن يأتوه بمن يجدون في البلد من أهل مكة قوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويدير معهم حواراً عجيباً بما أوتي من حكمة الفلاسفة ودهاء الأباطرة وعلم الأحبار فاحصاً كل شبهة منقباً عن كل بينة .
بدأ بالسؤال عن أقرب الحاضرين نسباً بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون أعرف بأحواله التي يسأله هرقل عنها وهو أبو سفيان ولكن القرابة ربما تدعو إلى الممالأة فلذلك قال لخاصته قدموا هذا الرجل واجعلوا من معه خلفه ثم قال لمن خلفه إنما جعلتكم لكي لا تستحيوا منه أن تكذبوه إذا هو كذب علي ، قال أبو سفيان حين روى القصة بعد إسلامه فوالله لولا الحياء من أن يخبروا الناس عني أني كذبت لكذبت .
وبدأ هرقل أسئلته فإذا كل منها ينفي شبهة ويثبت خصوصية من خصائص النبوة وأخلاقها ومبادئها وأحوالها وأحوال أتباعها ، لكنه يكتم ما استخلص من إجابات أبي سفيان فلا يفصح عنه حتى ينتهي الحوار .
قال أبو سفيان فكان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم ؟
قلت : هو فينا ذو نسب يعني هو في الذروة من نسب قومه .
قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟
قلت : لا .
قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟
قلت : لا .
قال : أفأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟
فقلت : بل ضعفاؤهم .
قال : أيزيدون أم ينقصون ؟
قلت : بل يزيدون .
قال : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟
قلت : لا .
قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟
قلت : لا .
قال : فهل يغدر .
قلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها .
قال أبو سفيان حين روى القصة بعد إسلامه : ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة .
قال : فهل قاتلتموه ؟
قلت : نعم .
قال فكيف كان قتالكم إياه ؟
قلت : الحرب بيننا وبينه سجال : ينال منا وننال منه .
قال : ماذا يأمركم ؟
قلت : يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة .
كان هذا آخر الحوار ثم شرع هرقل يكشف عن الحكمة من وراء كل سؤال ويختم ذلك ببيان ما استخلص من كل تلك الإجابات فيهز كيان أبي سفيان حتى يوقن قبل أن يزول عن مكانه أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسول الله كما قال هرقل مدعماً ما قاله بالأدلة ويهتز مجلس هرقل حتى يكثر فيه اللغط ويخشى على نفسه فيصانع قومه إذ يراهم متكبرين على الحق كشأن كل المتكبرين لا يلتفتون إلى بينات الهدى ولكن يلتفتون إلى ما يوافق أهواءهم ورغائبهم .
إنها بينات قهرت عقل أبي سفيان ورسخت فيه اليقين بأن سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وأنه منتصر رغم أنه لم يسلم ولم يتراجع عن حربه لرسول الله صلى الله عليه وسلم
قال هرقل لترجمانه قل له : سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وقد أصاب هرقل فالله تعالى يبعث الرسل في الذروة من أنساب قومهم حتى لا يستنكف ذوو الأنساب عن اتباعهم .
قال هرقل : وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسى بقول قيل قبله .
وقد صدق هرقل وإن كان العاقل لا يأتسي بالدجالين ولا الأدعياء الفارغين ولكن ذلك شبهة مهما تكن ضعيفة فانتفاؤها أضمن للحق وأبعد عن سوء الظن.
قال هرقل : وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا قلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه .
وقد صدق هرقل فإن الرغبة في استعادة الملك الزائل ربما دعت صاحبها أن يتوسل إلى رغبته بالحيلة ويتظاهر بالدعوة إلى المبادئ الفاضلة وإن كان مثل ذلك يغري ضعفاء العقول وحدهم ويرفضه من كانوا ذوي خبرة بسيرته وأحواله قبل أن يخوض غمرات السعي إلى استعادة الملك الزائل ، وقد كانت هذه مجرد شبهة ولكنها إذا زالت كان زوالها معيناً على تبين الحق دون أوهام.
قال هرقل : وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟
فذكرت أن لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله .
هرقل ههنا أصاب كبد الحقيقة فاللسان الذي طبع على الصدق وكان الصدق سجية نفسه لا يتحرك بكذب أبداًَ كما أن العربي الفصيح الناشئ على العربية لا يطاوع لسانه اللحن إطلاقاً والنفس التي فطرت على الصدق وعاشت عليه وخفق به قلبها ونبضت به عروقها تتقزز من الكذب ولا يسوغ في حلقها ، هذا لو كان قد شب عليه فكيف بمن شاب عليه حتى اجتهد أعداؤه الذين عايشوه معايشة الجار للجار والقريب للقريب فلم يستطيعوا أن يجدوا في صدقه مغمزاً واضطروا إلى الشهادة له بالصدق اضطراراً ،هذا الصادق كيف يعقل أن يمر الكذب على لسانه ؟
وإذا تحرى الصدق في حديثه مع الناس كل هذا التحري أفيمكن أن يقول على الله كذباً ؟!
إن العقل الواعي المنصف ليشهد أنه من المحال عليه أن يكذب كما يستحيل أن يبخل الجواد العريق في الجود ولو كان فقيراً لا يملك إلا ثيابه.
ومن كان كذلك فمحال عليه أن يتكلم عن توهم أيضاً لأن من لا يتجنب الإخبار بالأوهام لا يجزم الناس بصدقه ـ حتى الأعداء منهم ـ إن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً فلن يستطيع الناس أن يبدلوا كلام الله .
ثم انتقل هرقل إلى النظر في حال التابعين لهذا النبي الصادق الأمين هل يجد فيها ما يثير الريب أو هي مثل الأمور السابقة لا تزيد الخبر إلا صدقاً فقال لأبي سفيان : وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل .
وقد صدق هرقل فإن الزعماء تصدهم زعاماتهم عن أن يرضوا بإتباع غيرهم وتحملهم العزة بالإثم على الاستنكاف عن طاعة الأنبياء وقد كانوا في عصور كل الأنبياء مناوئين لهم خشية على زعامتهم إلا النادر منهم .
قال : وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم،يعني هرقل أن المؤمن بالدين الحق يزداد كل يوم به بصيرة فيزداد عليه ثباتاً وذلك شأن كل من يدخلون فيه فلا يزالون يزدادون حتى يعظم عددهم ويكونوا أمة عظيمة أما إذا ارتد أحد منهم فالزيادة تعني أن ذلك نادر ليس له أهمية وقد كرر هرقل هذا السؤال بصورة أخرى تعبر بوضوح أكبر عن هذه الحقيقية فقال وسألتك هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب وقد أراد هرقل بهذا أن يكشف عن سر الزيادة صراحة فقال : هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه ، ولم يقل : هل يرتد أحد منهم كما تضمن سؤاله السابق فأكد هنا على السؤال عن ترك أحدهم دينه بغضاً له وكرهاً أما إذا أكره على تركه أو جذبته إلى غيره جواذب المغريات فهذا لا يطعن في الدين إنما يطعن في الذي يرتد عنه فلذلك إضطر أبو سفيان أن يقول لا ولم يقل إن بعضهم قد ترك دينه كأولئك الذين أكرههم أهلوهم تحت العذاب أن يرجعوا عن الإسلام ظاهراً لا باطناً فهؤلاء أكرهوا وقلبهم مطمئن بالإيمان الذي خالطت بشاشته قلبهم فانشرحت له .
قال هرقل : وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر ، وهنا يعود هرقل مرة ثانية للحديث عن أخلاق النبوة تلك الأخلاق التي تسمو فوق كل قبيح من الفعل فالغاية النبيلة لا يتوسل إليها بوسيلة سافلة والغدر هو نوع من الكذب ولكنه كذب في المعاهدات التي تتعرض بسببها النفوس للزلازل عند ضغط الفريق الآخر أو عند ظهور الفرصة السانحة للبطش به .... لا أبداً هذه لغة مرفوضة عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً عبر تاريخهم كله كما عرفه هرقل بعلم الأحبار وحكمة الفلاسفة وحنكة الأباطرة فقال: " وكذلك الرسل لا تغدر " كما أن الرسل " لا تكذب " ولم يسأل هرقل عن سائر الأخلاق الأخرى غير الصدق والوفاء لأنهما عنوان الأخلاق ما تحلى بهما امرؤ قط فرأى الناس منه سوءاً قط .
قال هرقل : وسألتك بم يأمركم فذكرت أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه .
بلغ هرقل اليقين بصدق النبوة المحمدية فهذه هي المبادئ التي دعا إليها كل الرسل منذ فجر الحياة الإنسانية: القيام بحق الله في العبادة وهجر كل معبود سواه وحسن الخلق في التعامل الإنساني فبذلك تصبح الحياة الدنيا جنة عاجلة في ظلال وحي السماء ورعاية عيون الأنبياء .
أي شبهة يمكن أن تحوم حول هذا النبي الكريم بعدما نفى عنه الشبهة أبو سفيان كبير خصومه وقائد المعركة ضده : أخلاق في أعلى درجات المكارم والمعالي مبادئ تشهد بصدقها كل رسالات الأنبياء أحوال تشهد له بأعلى خصائص الاصطفاء .
إذن فالنتيجة الحتمية التي استيقنتها هرقل هي أن هذا النبي الأكرم والمصطفى الأعظم صلى الله عليه وسلم سيملك عاصمة إمبراطوريته وذلك بحسب علم هرقل ولذلك عقب هذا بقوله " وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم " .
ثم يعلن حرصه الشديد على لقائه فيقول : " لو كنت أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه " أي لتحملت كل المشقة والأخطار في ذلك فكأنه توقع من قومه أن يقتلوه لو فعل ذلك .
ثم يعلن الإجلال العظيم لنبي الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - وهو من أكبر ملوك الأرض - فيقول " ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه " .
ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فإذا فيه :
( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين - يعني أتباعه - و" يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ") .
قال أبو سفيان :فلما قال ما قال- يعني الإقرار بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإجلاله له- وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا .
هكذا كان الأمر عند هرقل أما أبو سفيان فزلزل زلزالاً شديداً ولم يستسلم قلبه للإيمان لكنه أحس بأن أمر رسول الله قد عظم حتى إنه ليخافه ملك بني الأصفر وهم الروم وأيقن أن معاركه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منتهية بخسارة وأن الله سيظهره عليه وعلى الناس وصاحبه ذلك اليقين إلى أن سقط في يده يوم فتح مكة وسيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عشرة آلاف سيف تنتظر في شأنه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسقط عنه رداء الكبرياء وإزار الحسد والعصبية فقال أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .
أما هرقل فعاد إلى محاولة إقناع قومه بعد أن استيقن في نفسه أن سيدنا محمداً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وأن الله سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون إنها محاولة أخيرة : جمع فيها عظماء الروم في حمص بموضع غلق فيه الأبواب وأطل عليهم من مكان فيه عال خشية أن يعاجلوه بالقتل ثم قال : يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فاستنكروا أشد الاستنكار ونفروا نفوراً شديداً كنفرة حمر الوحش إذا أحست بالخطر وانطلقوا إلى الأبواب ليعلنوا الثورة عليه فوجدوها قد غلقت
فلما رأى هرقل نفرتهم ويئس من إيمانهم دعاهم إليه فقال هلموا فإني لم أقل ما قلته إلا لأختبر ثباتكم على دينكم فقد رأيت ثباتكم فرضوا عنه وسجدوا له .
وتوالت الأيام وكرت جيوش الإيمان على بلاد الشام ودخلت القدس موطئ أقدام هرقل ثم دخلت حمص عاصمته وتوالت القرون حتى رفرفت فوق القسطنطينية عاصمة العواصم الرومية راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله ) راية النبي الذي قال عنه هرقل ـ بعدما استيقن براءته من كل الشبهات واستيقن شهادة العقل والدين أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: فسيملك موضع قدمي هاتين ولو كنت أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه عليه أفضل الصلاة والسلام .
تاج النبوة
ببريق الجواهر وعِظَمها تتفاضل تيجان الملوك أما تيجان الأنبياء فتتفاضل بمكارم الأخلاق وكمالها وظهورها في حياتهم طبعاً وسجية، كما يفوح الطيب من الزهور ويشع الضياء من البدور حتى يترقى الأمر إلى أن تفعل تلك الكمالات الخلقية في العقول فعل المعجزات، تهدي الحائرين وتكسر عناد المتجبرين وتملأ باليقين قلوب المؤمنين وبهذا الميزان يكون أعظم تيجان النبوة هو تاج سيد المرسلين وإمام النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، بل إن المتأمل ليرى كل جوهرة من جواهر كمالاته صلى الله عليه وسلم معجزة مستقلة نطقت بها أعماله ومعاملاته ومحاوراته صلى الله عليه وسلم، ونطقت بها ألسنة من اهتدوا بها وجذبتهم إلى طريق الحق القويم .
هذا عدي بن حاتم الطائي ـ زعيم قومه ـ فر إلى بلاد الروم كرهاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضاً وخوفا من جيوشه التي أحاطت ببلاد طيء وضمتها إلى طاعته خوفاً جعله يفر عن أخته وهي عرضه ويتركها للأسر بين يدي جيوش سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم يفاجأ بها لاحقة به طليقة من الأسر لا لمال فدت نفسها به، ولا لخدمة أدتها وإنما لأمر واحد هو أنها قالت : يا محمد - بلا ألقاب ولا تعظيم - أنا بنت حاتم الطائي فقال لأصحابه : " أطلقوها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق ".
من يقدر مكارم الأخلاق ويقدر أهلها حق قدرهم إلا صاحب الخلق العظيم؟! " إنما يعرف الفضل من الناس ذووه "خبر يهز سامعه ويملأ قلبه إجلالاً لصاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم .
وسكن روع عدي واطمأنت نفسه وهفا قلبه إلى أن يلقى صاحب الخلق العظيم لقاء الآمن على نفسه يرى ما عنده ويسمع قوله ويتبصر في شأنه ،وأتى عدي المدينة المنورة فدخل المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد السلام وقام فأخذه بيده ومضى به إلى بيته، و فوجئ عدي في الطريق بامرأة مسكينة كبيرة أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تريد منه حاجة فوقف لها في بعض الطريق فكلمته في حاجتها طويلاً، وهزت المفاجأة عدياً وفكر وتدبر فعرف - وهو ملك في قومه - أنه أمام شمائل النبوة وتواضعها لا أمام جبروت الملوك وتفتح عقله وتفتح قلبه أمام المعجزة الخلقية معجزة التواضع ، قال عدي : فقلت في نفسي والله ما هذا بملك : بلى والله يا عدي إن الملوك لا يقفون للناس في الطرقات يقضون حوائجهم بل لا يجرؤ الناس أن يكلموهم في الطريق بل لا يجرؤون أن يقتربوا منهم ، ثم انظر يا عدي إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه من طين سقفه جريد النخل وبابه نسيج من الشعر ، يا عجباً أهذا الذي تملأ راياته الآفاق ،و تسيح جيوشه في كل ربوع العرب منصورة مظفرة وماكادت المفاجأة الأولى تستقر في قلبه حتى يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقدم إليه الوسادة الوحيدة في البيت ويجلس هو على الأرض دون شيء مفاجأة ثانية هزت كيانه وفتحت بالتواضع المعجز نوافذ عقله ليدرك إدراك اليقين هذا الفرق الهائل بين أخلاق النبوة وأخلاق الملوك، قال عدي بن حاتم: فقلت والله إنه ليس بملك ، نعم يا عدي لقد صدقت إنه فرق بديهي فالملك يكرم ضيفه ولكنه مهما أكرمه وأجله ورحب به لا يقدمه على نفسه ،ثم هل يعقل من ملك تملأ راياته الآفاق وتنتشر جيوشه المظفرة في طول البلاد وعرضها وتغنم الذهب والفضة والشجر والأنعام ثم لا يكون في بيته أمام وافد من الزعماء إلا وسادة واحدة وهو لا يجلس عليها بل يقدمها لضيفه ؟!
رعاك الله يا ابن حاتم ما رأيت إلا موقفاً واحداً أو مواقف في ساعة واحدة فمنحتك الإيمان واليقين كيف بك لو أقمت بجوار صاحب الخلق العظيم مدة ورأيت ما يراه أهل طيبة الطيبة كل يوم وكل ساعة وكل لحظة كيف يكون إيمانك ؟!
لو أقمت مدة لرأيت و لعلمت لماذا يقدمون طاعته على آبائهم وأمهاتهم ويفدونه بذرياتهم وأموالهم وأرواحهم وبكل شيء .
ماذا تقول لو رأيت الأعرابي الغريب يقدم فيبحث عنه فيعلم أنه في المسجد فيدخل المسجد فينظر في الجميع فلا يعرفه فيسأل أيكم محمد ؟
أي ملك في الدنيا لا يميزه الغريب عن حاشيته بثيابه ولا زينته ولا مجلسه ولا هيئته ؟
شتان شتان بين الملوكية وطبائعها وبين النبوة وشمائلها .
وما أنت قائل يا عدي بن حاتم لو أتيت بيته فرأيته يحلب شاته ويخيط ثوبه ويرقع دلوه ويخصف نعله ورأيته في بيته يكون في مهنة أهله يعينهم في شؤون البيت ؟!
هل تفعل الملوك من ذلك أي شيء ؟!
لئن رأيت ذلك كله ثم رأيته مع أصحابه في سفر وقد أرادوا أن يطبخوا طعاماً فاقتسموا أعمال الطبخ بينهم فاختار هو أشقها وأكثرها تواضعاً فقال: " وعلي جمع الحطب " قالوا فإنا نكفيك ذلك قال: " أعلم أنكم تكفونني ولكني أكره أن أتميز عليكم " إذا رأيت هذا وسمعته بعد ذلك كله فلن تستغرب ـ أن يقدموا طاعته على كل شيء وأن يقدموا أرواحهم فداء له ـ إنها كمالات شمائل النبوة .
قال عدي بعد تلك الجلسة الواحدة : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ميلاد الرحمة العظمى
شقيق ليلة القدر التوأم هو يوم ميلاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ، فرسالة الرحمة العظمى للعالمين لا بد أن يكون حاملها هو أكمل المرسلين رحمة ( إن العظائم كفؤها العظماء ) ، بل {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ، ولا يستطيع أن يكون صورة حية لهذه الرسالة من لم يكوَّن هذا التكويـن،ولم تكن هذه الشمائـل طينته إنها ليست كرسائل الناس تسليم واستلام ،ثم السلام عليكم ورحمة الله ، بل هي رسالة التلاوة المتجددة لآيات الوحي الإلهي ، رسالة التعليم كتاباٌ وحكمة ، رسالة التزكية فكراٌ ودستوراٌ وعملاٌ وخلقاٌ ، رسالة الأسوة المثلى شمائل تنير كل دروب الفضائل للسائرين ، رسالة القيادة الفذة في البيت والمسجد ومجلس الشورى وميدان الحرب وكل مجالات الإنسانية ..
كتاب كله معجزات ، وشخصية كلها معجزات ..
أي علم وأي حكمة و أي رحمة وأي قدرة تلك التي صاغت هذا المثل الإنساني الأعظم ، وحملته رسالة الرحمة للعالمين!!
ألا جل جلاله من خلاق مبدع عليم شهدت لحكمتَه وقـائع الحياة على امتداد ثلاثة وستين عاماً ، هي حياة سيد العالمين وإمام الأنبياء والمرسلين كانت ثمرتها بناء هذه الأمة صرحاً يطاول نيرات السماء .
فإذا الحياة هداية أنسامها وإذا الإخاء بكل نادٍ يعبق
أيها العلماء والحكماء والقادة والمربون أيهاالمنصفون مؤمنين وغير مؤمنين : تأملوا وفكروا ، ثم ارجعوا البصر كرتين في هذه الشخصية وحياتها،
لا بد للناقد أن ينقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسير ،لا بد لذي البصيرة المتدبر عاشق الفضيلة الحكيمة أن يجد نفسه أمام بحر يمده من بعده سبعة أبحر كلها تموج دراٌ وجوهراٌ ، بل إن يوماٌ واحداٌ من هذه الحياة ليخطف ضياؤه الأبصار ، هو يوم حنين يا له من يوم أغر يملأ فم الزمان تبسماٌ وثناءٌ : شجاعة تتصدى للألوف في ساعة يفر فيها الأبطال المغاوير ، فتثبت منه قلوب الخائفين وترد إلى جواره جموع المنهزمين ، ثم تزلزل قلوب الأعداء المهاجمين حتى يفروا عن فلذات أكبادهم ومصون أعراضهم ونفيس أموالهم ، ولكنها شجاعة لا تريد علواٌ في الأرض ولا استكباراٌ،بل تتخذ ذلك الموقف وسيلةًٌ إلى الهداية للناس حتى تنالهم رحمة الله للعالمين ، انكسر جبروت القوم وتكبرهم عن دعوة الحق فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تائبين مسترحمين ،فإذا هو يفيض عليهم حلماٌ بعد عزة ، وعفواٌ بعد مقدرة وإحساناٌ رغم الإساءة ، فيرد إليهم فلذات أكبادهم وعزيز أعراضهم ، ولأجل أن يظلوا في رحاب الهداية ، ولا يرجعوا إلى ما كانوا عليه من الغرور والكبرياء بالباطل يمسك أوالهم ولا يردها عليهم ، ولكنه لا يأخذها لنفسه ، فالأموال لا تجد لها في قلب تلك الشخصية العظمى مكاناٌ، وإن كانت أموالاٌ تملأ الوديان بكل صائت وصامت ، وتبهر أعين الزعماء الكبار الذين دخلوا في الإسلام ، وهم حديثو عهد بجاهلية ، فلتكن هذه الأموال وسيلة إلى غسل قلوبهم مما كانوا من قبل يتوهمون من شبهات حول النبوة: جاد عليهم جوداٌ لا يطيقه الأجواد الأكرمون من الملوك، فأعطى كلاً منهم ما يجعله أميراٌ كبيراً لو كان عائلاً فقيراٌ أعطى كلاً منهم مئة ناقة وأعطى أحدهم واديـاٌ من الغنم فـإذا هـو يقول _ وكأنه ينطق بلسانهم جميعاً ـ : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله والله ما جادت بهذا إلا نفس نبي .
إنها الشخصية التي صاغتها يد الحكيم العليم بكل عنايتها واصطفائها وحبها ، لتكون صورة الكمال الإنساني الأمثل ، ولتكون الرحمة العظمى للعالمين في واقع مشهود ، تبصره العيون، وتسمعه الآذان ، وتقر له العقول ،وتطمئن إليه القلوب .
ذاك دواء القلوب حديثة العهد بالجاهلية حين يراد تثبيت إيمانها،وثمة قلوب محبة إن عرض لها شيء داواها بالحب والقرب ، هم قوم ما زالت سيوفهم بأيديهم عليها دماء نصرة الله ورسوله ، آلمهم أن يذهب بالأموال الجزيلة دونهم أقوام كانوا بالأمس القريب أعداءً ،ولم تلتئم بعد جراح الأذى التي صبوها على رسول الله صلى الله عليه وسلم و على جناحيه من المهاجرين والأنصار، نطق بالعتاب شباب أنصاريون محبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدركوا حكمته فيما فعل حق الإدراك فقالوا: كنا أحق بهذه الأموال من أولئك.
جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة ليس معهم غيرهم ، وذكرهم بما لهم من أيادٍ بيضاء في نصرته ونصرة دينه فقالوا : لله ولرسوله المن والفضل ،ثم صب عليهم وابل حبه المدرار وحنانه الفياض ،وواعدهم دوام الجوار حتى آخر الحياة ، فقال لهم وهو يعلم كمال إيمانهم وعظيم محبتهم له:{يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير ، وترجعوا إلى رحالكم برسول الله تحوزونه} فإذا الدموع تنهمر حتى تبلل اللحى والثياب ، وينقلب العتاب اعتذراٌ فيردد الجميع : رضينا برسول الله حظاً وقسماٌ ، ثم يعودون معه إلى رحاب طيبة الطيبة ليواصلوا حياة الحب ومسيرة الرحمة الهادية ،حتى أتاه داعي الحياة الآخرة .
كانت هذه المدة تأكيداً على تأكيد لما عرفوا وشهدوا من شمائله الكريمة ، التي كانت تحوطهم وتحوط العالمين برحمتها ، رأوه ـ بعد النصر المؤزر والعزة التي سارت في ركابها كل زعماء العرب وخافتها دولـة الروم ـ كما جاءهم يوم هجرته في ثوب بسيط وسمت متواضع يسكن بيتاً من طين ويبيت طاوياٌ أو على كسيرات من الخبز يابسة ، ويسارع قبل موته بأيام ليتصدق بشيء من ذهب كان عنده خشية أن يموت وعنده شيء من الدنيا، ويناشد كل إنسان أن يأخذ بحقه منه إن كان له حق،ويودع الجميع وداع الحبيب للحبيب ، ويواعدهم اللقاء على الحوض يوم القيامة ، ثم تلحق روحه بالرفيق الأعلى ،ويظل قبره في طيبة بينهم رمزاً للوفاء ، يناجيه كل من فيها وكل ما فيها قائلاٌ :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
يا يوم ميلاد الحبيب المصطفى ، يا صنو ليلة القدر وشقيقها التوأم،لن ينسى أحباب المصطفى ولن ينسى كل منصف في الدنيا أنك ميلاد الشخصية التي كانت صورة الواقع المشهود للقرآن ، رسالة الله العظمى ورحمته للعالمين،فالله تعالى لم يقل : ( وما أنزلنا القرآن إلا رحمة للعالمين ) ،ولكن قال ـ لرسوله الأعظم وحبيبه الأكرم ـ :
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } صورة الرسالة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
يا يوم ميلاد فضل الله ورحمة الله ،أنت بداية الفرحة العظمى للإنسانية : { قلْ بِفَضْلِ اللّه ِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أنت عرس الإنسانيـة الأسنى، تمتلئ دنياها لأجلك بالابتهالات الضارعة لله شكراً ،وبالأهازيج والأغاريد وضرب الدفوف فرحاٌ وسروراٌ وحباٌ وتقديراٌ وثناءٌ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ويقوم الناس لرب العالمين ، وحينئذٍ يشهدون المشهد الأعظم لرحمة الرسول الأعظم في المقام المحمود مقام الشفاعة لكل العالمين .وصلى الله وسلم وبارك عليك يا مولى الأولين والآخرين .
وسام الشرف الإلهي
لخير نبي صلى الله عليه وسلم وخير أمة
{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } هذا وسام الشرف الذي توج به الله هذه الأمة ، أمة سيد الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام ، وسام الشرف الذي يوهب للكفاءة في الرقي الإنساني الكامل الشرف الذي أشرقت به صفحات التاريخ ، لا وسام الشرف الإدعائي بأننا شعب الله المختار ، مهما ارتكبنا من الفظائع ، وتسربلنا بالرذائل ، وتمرغنا في أوحال الفواحش ، بل وسامنا وسام الفضائل { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } ، فالمعروف هو الفضائل الكريمة في العرف الإنساني الطهور ، الفضائل التي يتقبلها ويطمئن لها الإنسانيون المنصفون ، وإن كانوا لا يعلمونها من قبل تفصيلاً : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى } ، و { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } ، { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ، هذا هو المعروف الذي جاء في كتاب هذه الأمة وسنة نبيها ، بل هو قبس من نوره ، والمنكر هو نقيض ذلك ، هو ما يستنكره العرف الإنساني الطهور ، ويراه قذراً يترفع عنه الأشراف ، مهما رأوه منتشراً من حولهم تقره الأعراف الإباحية ، وتستسيغه طبائع المتوحشين من أدعياء الإنسانية الراتعين في دماء الأبرياء ، وموارد البؤساء وبلاد الضعفاء تحت راية القانون الذي يخطونه بحروف من نار ، نار مدافعهم وطائراتهم وصواريخهم ، ولكنه مع ذلك يظل في نظر العرف الإنساني الطهور منكراً فاحشاً تنهى عنه خير أمة أخرجت للناس ، كما علمها ربها { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } ، { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ، { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً . وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ } ومنكرات أخرى كثيرة نهى عنها هذا الكتاب الكريم .
وفي نطاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبقت هذه الأمه . بسبب هداية ربها . كل الأمم ذات الحضارات العريقة من قبلها ومن بعدها إلى إعلان المبادئ الراقية مبادئ الإنسانية المثلى .
أعطت الفقير حقه في العيش الكريم إن كان قد عجز عن العمل ، فأوجبت على ذويه كفايته ، فإن لم يقدروا كان له في مال الأغنياء نصيب مفروض يقاتلهم الحاكم إن لم يؤدوه ، ومع ذلك دعت الفقير إلى العفاف ( اليد العليا خير من اليد السفلى ).
رفعت المرأة عن حالة الحيوان والمملوك التي كانت عليها عند كثير من الأمم القديمة ، وعن حالة المتعة الحيوانية التي مازالت عليها عند كثير من الأمم ، إلى حالة مساواة الرجل في الإنسانية ، ومبادلته بالحقوق والواجبات حسب ما يليق بطبيعة كل منهما وخصائصه .
وحفظت للطفولة البريئة حقها من الضياع في مهاوي الفاحشة التي تحرمها حقوقها في الأبوة والقرابة الأبوية ، وعاقبت من يعتدي على هذا الحق بالقتل الشنيع والجلد الفظيع .
وحرمت استرقاق الإنسان إلا من جاءها يريد قتلها فتسترقه بدل أن تقتله ، لكن تعامله بالمعروف فلا تكلفه من العمل إلا بما يطيق ، تطعمه مما تأكل ، وتلبسه مما تلبس ، وتتقرب بعتقه أعظم التقرب إلى الله تعالى .
وانطلقت هذه الأمة إلى الأمم الأخرى لتخرجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ظلم الملل إلى عدل الإسلام ، وحاربت من أجل ذلك الذين حاربوها ، ومعها الوصايا الإنسانية وصايا ربها جل جلاله ونبيها صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوا طفلاً ، ولا امرأة ، ولا شيخاً كبيراً ، ولا راهباً معتزلاً ، ولا تقطعوا شجرة ، { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ } ، { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } .
وعاشت شعوب الأرض في ظلال عدالتها يهود ونصارى وغيرهم على مدى ثلاثة عشر قرناً وأكثر ..... واستدعى عمر بن الخطاب واليه عمرو بن العاص من مصر ليقدم ابنه فيجلده المظلوم القبطي بيده ، وأخرج عمر بن عبد العزيز جيش المسلمين من سمرقند وهو بلد استقر فيه سنين لأن أهله أثبتوا عند القاضي أنه فتح غدراً وفرض عمر بن الخطاب مرتباً لنصراني رآه يتسول ..... فدخل الناس في دين الله أفواجاً ، فكانوا للفاتحين إخوة ، لا رعية من الدرجة الثـانية ، ومجالات السبق في الرقي كثيرة كثيرة عند خير أمة أخرجت للناس تعجز الكتب عن استيعاب تلك الفضائل.
والأمة التي نالت وسام الشرف الإلهي ما نالته لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بلسانها ، وتزهى بذلك في المحافل ثم تتسلل إلى الفواحش ترتع فيها ، وتتخذ المعروف وراءها ظهرياً ، بل نالته لأنها أدركت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما قرين الإيمان بالله : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } فهما مرتبطان به أشد الارتباط ، ينقص بنقصانهما ويزداد بزيادتهما ، ويكمل بكمالهما ، ولا يكون ذلك إلا أن يكون الآمر بالمعروف أسبق الناس إليه ، والناهي عن المنكر أبعد الناس عنه ، وكذلك كان هداة هذه الأمة دائماً، فرأى التاريخ منهم في هذه الأمة رجالاً كأن كل واحد منهم بدر يضيء ظلامه ، بل شمس تحول الليل نهاراً ، رأى الخلفاء الراشدين ملوكاً زاهدين عابدين : رأى أبا بكر الصديق يعجز عن شراء حلوى لبيته فتوفر زوجته الثمن من مصروف البيت ، فيرده إلى بيت المال ، وينقص مقدار التوفير من مرتبه ، ويبيع بعض متاعه ليوفي مقدار الزيادة منذ تولى الخلافة ، ورآه يخدم جيرانه الفقراء عند السحر حتى لا يتأخر عن صلاة الفجر .
ورأى التاريخ عمر بن الخطاب يلبس ثوباً فبه ثلاث عشرة رقعة ، ويخفق بدرّته رؤوس المترفعين ، ويثل عروش الملوك الظالمين ، ويقوم الليل حتى يصفر لونه فإذا لاموه على حقوق نفسه قال : أخشى إذا نمت في النهار أن أضيع رعيتي ، وإذا نمت في الليل أن أضيع نفسي .
ورأى التاريخ عثمان بن عفان يطعم الناس اللحم والحلوى ، ويأكل الخبز اليابس بالخل ، أو بالزيت ، ويتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار ويقتله ثوار الباطل دون أن يدافع عن نفسه أو يسمح لأحدأن يدافع عنه لأنه يحب أن تراق لأجله قطرة دم مسلم .
ورأى التاريخ علي بن أبي طالب يقف أمام القاضي بجانب اليهودي ، فيأكل اليهودي حقه ،لأنه لا شاهد عنده إلا سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين ولا تقبل شهادة الولد لأبيه في مبادئ أمتنا ورآه يبكي في المحراب قائلاً : يا دنيا غري غيري طلقتك ثلاثاً لا رجعت بعدها .
ورأى التاريخ رجالاً غير هؤلاء من بعد فأمتنا ظل فيها مجددون يتواردون على حمل راية الهدى والقدوة الصالحة ، رأى عمر بن عبد العزيز يخضع للحق أمراء بني أمية ، ويقول حسبي بالأجل حارساً ،ويأكل من الطعام ما يرفضه خادمه ، ورأى صلاح الدين يحيى مجاهداً ويموت مجاهداً ، وتخرج جنازته وتكاليفها دين ، لأنه لم يبق عنده شيء يملكه ولو تكاليف الجنازة.
رأى التاريخ في هذه الأمة كل مثل أعلى في العلم والحكم في الزهادة ، والعبادة في الجود ، والبطولة و القيادة ، رجال كل واحد منهم أمة ، كل واحد منهم صورة للمبادئ الإنسانية المثلى ، وبذلك كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس .
لكن لا نقول كما قال من قبلنا المفترون على الله نحن شعب الله المختار ، ونحن خير أمة مهما ضيعنا هذا الإرث الخالد العظيم ، بل ننكر كل الإنكار أن يقول ذلك منّا بعض المتعصبين ، ونكذب ما يقوله أكابر المجرمين الجاحدين . وهم يرون أمتنا اليوم بعدما ضيعت فضاعت : انظروا أهذه خير أمة أخرجت للناس ؟!
ويا ليت أولئك الساخرين يملكون شيئاً من الفضائل الإنسانية ، بل تراهم كل الدنيا يرفعون شعارات العدالة بيد ٍ ويغتالونها باليد الأخرى ، ويرفعون شعارات الإنسانية والدنيا كلها تراهم وحوشاً ضارية تسبق في الوحشية كل الوحوش الضارية !!
حسب الجاحد دحضاً لجحوده أن يكذّبه ، ويشهد على كذبه التاريخ ، ثم يلعنه التاريخ ، وحسب المتعصب كسراً لغروره أنه يتعامى عما يراه كل الناظرين ، وحسبه موعظة قول الله تعالى لمن سبقوه بالعصبية والدعاوى الكاذبة { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } وعسى أن يأتي من هذه الأمة من يعيد سيرة الخلفاء الراشدين فيرى الناس هذه الأمة على حقيقتها ويقولوا لها : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } صدق الله العظيم .